في ذكرى رحيل زايد الخير.. البدوي الذي صنع من رمال الصحراء دولة يشار إليها بالبنان
*- شبوة برس – خاص
في مثل هذا اليوم، الثاني من نوفمبر 2004، رحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة وأول رئيس لها، بعد مسيرة امتدت عقوداً من القيادة والبناء والعطاء، تاركاً إرثاً وطنياً وإنسانياً تجاوز حدود الإمارات إلى العالم العربي والمجتمع الدولي.
لكن زايد الذي عرفه العالم حاكماً ومؤسساً لدولة حديثة، كان قبل ذلك شاباً بدوياً صقلته الصحراء، وعلمته حياة البادية الصبر والفروسية والرماية ومعرفة الرجال والقبائل، فخرج من بيئة الرمال والآبار والإبل والخيام حاملاً صفات القائد الذي يعرف أرضه وأهله.
ومن أجمل الشهادات التي وثقت شخصية زايد في شبابه، ما كتبه الرحالة البريطاني ويلفريد ثيسيجر، المعروف لدى أهل الجزيرة العربية باسم «مبارك بن لندن»، في كتابه الشهير رمال العرب.
التقى ثيسيجر بالشيخ زايد في منطقة العين عام 1948، حين كان ممثلاً لحاكم أبوظبي في المنطقة الشرقية، وترك لنا وصفاً استثنائياً للرجل قبل أن يصبح حاكماً ورئيساً، بعيداً عن مظاهر السلطة والبروتوكول.
يقول ثيسيجر إنه رأى رجلاً في نحو الثلاثين من عمره، قوي البنية، ذا وجه قوي وعينين ثابتتين يقظتين، يجلس تحت شجرة شوكية على رمال الصحراء، مرتدياً لباساً بسيطاً وصدرية مفتوحة الأزرار، فيما كانت بندقيته ملقاة إلى جواره.
ولفت الرحالة إلى أن زايد لم يكن مجرد شيخ قبيلة يرتدي لباس البادية، بل كان رجلاً يجمع بين القوة البدنية والذكاء والهدوء والهيبة، وقد نقل عن أهل البادية إعجابهم به بقولهم إنه بدوي يعرف الإبل، ويحسن ركوبها والرماية والقتال.
كما وصف ثيسيجر مكانة زايد بين البدو، مشيراً إلى أنهم أحبوه لبساطته وتواضعه وودّه، واحترموا قوة شخصيته ودهاءه ومعرفته بالصحراء، وأنه استطاع إدارة القبائل والمحافظة على النظام بفضل شخصيته وعدالته، لا بمجرد استخدام القوة.
ومن الشواهد التي تكشف جانباً من كرمه، ما أورده ثيسيجر عن إهدائه ناقته المفضلة «غزالة»، التي كانت تحظى بمكانة خاصة لدى أهل البادية، في صورة تعكس سخاء الرجل واعتزازه بعلاقاته مع رفاق الصحراء.
من البادية إلى صناعة التاريخ
لم ينسَ الشيخ زايد جذوره البدوية بعدما تولى مسؤولية الحكم؛ فقد حمل معه قيم الصحراء إلى مشروع بناء دولة الإمارات العربية المتحدة. تولى حكم أبوظبي عام 1966، ثم قاد مع حكام الإمارات تأسيس الاتحاد في الثاني من ديسمبر 1971، ليصبح أول رئيس لدولة الإمارات، وظل في موقعه حتى وفاته.
لقد كانت الصحراء مدرسة زايد الأولى، ومنها اكتسب معرفة الأرض والإنسان، ومنها تشكلت شخصيته القيادية التي جمعت بين الحزم والكرم والتواضع والقدرة على استيعاب القبائل وتوحيد الإرادات.
وتبقى شهادة مبارك بن لندن ذات قيمة تاريخية خاصة؛ لأنها تنقل صورة زايد كما عرفه أهل البادية وكما رآه الرحالة عن قرب، قبل أن يصبح اسمه مرتبطاً بقيام دولة اتحادية ذات حضور عالمي.
شبوة برس: زايد لم يصنع دولة من ثروات الأرض وحدها، بل صنعها أيضاً من رصيد من القيم العربية الأصيلة، ومن الثقة بين الحاكم وشعبه، ومن الإيمان بأن بناء الإنسان هو أساس بناء الأوطان.
وفي ذكرى رحيله، تستحضر شبوة برس سيرة رجل لم تنقطع صلته بالصحراء رغم اتساع الدولة التي أسسها، وظل رمزاً للكرم العربي والحكمة والوفاء للجذور.
رحم الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وأسكنه فسيح جناته، وحفظ دولة الإمارات العربية المتحدة وقيادتها وشعبها.
شبوة برس – خاص