مكاوي يعلن اعتزال المحاماة والكتابة الإعلامية.. خسارة للقضاء والقانون وكفاءة قانونية رفيعة في عدن
*- شبوة برس - خاص
يشكّل إعلان المحامي جسار فاروق مكاوي، في عدن، توقفه عن ممارسة المحاماة والكتابة الإعلامية، خسارةً مهنية للقضاء والقانون، وغيابًا لكفاءة قانونية رفيعة كرّست سنوات من عمرها للدفاع عن الحقوق والحريات. ويعكس قراره، وفق بيانه، حجم الإحباط الذي بلغه بعد تجارب متراكمة، وما أثارته من مخاوف بشأن استقلال القضاء وضمانات العمل القانوني وكرامة المحامي، في رسالة تستحق التوقف أمامها ومراجعة أسبابها بجدية ومسؤولية.
"شبوة برس" ينشر بيان الأستاذ جسار فاروق مكاوي
بسم الله الرحمن الرحيم
بيان صادر عن المحامي جسار فاروق مكاوي – عدن .
قال تعالى﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾صدق الله العظيم .
بعد سنوات من العمل في مهنة المحاماة وما حملته من مسؤوليات والتزامات وما بذلته من جهد في سبيل أداء رسالتي المهنية بأمانة وإخلاص أعلن أنني قررت التوقف عن ممارسة مهنة المحاماة وعن أي نشاط إعلامي أو كتابة المقالات في هذه المرحلة من حياتي..لم يكن هذا القرار وليد لحظة غضب أو نتيجة خلاف عابر أو موقف منفرد وإنما جاء بعد تجارب متراكمة ومواقف جعلتني أعيد النظر في قدرتي على الاستمرار في بيئة لم أعد أشعر فيها بأن القانون وحده كاف لحماية الإنسان أو أن القضاء والإجراءات يوفران دائما ما يحتاج إليه المرء من استقرار واطمئنان..لقد وصلت إلى قناعة مؤلمة بأن بيئتنا الحالية أصبحت في ضوء تجربتي الشخصية تفتقر إلى الحد الكافي من الحماية القانونية والقضائية والأمنية وأن المعرفة والمحاباة قد تفتحان لبعض الناس أبوابا يفترض أن تكون مفتوحة للجميع بحكم القانون لا بحكم العلاقات والمصالح..وما أقوله هنا ليس حكما على الجميع ولا انتقاصا من قضاة أو محامين أو إعلاميين يؤدون واجبهم بشرف وإنما هو تعبير عن تجربة أرهقتني وعن واقع لم أعد أجد فيه الضمانات الكافية لمواصلة الطريق بالروح ذاتها التي بدأت بها.لقد عملت بجد وأمانة وإخلاص لمهنتي وآمنت أن المحاماة ليست مجرد مهنة يتكسب منها صاحبها وإنما رسالة ومسؤولية ووقوف إلى جانب الحق ودفاع عن الحقوق والحريات..وقد سعيت إلى أن أكون وفيا لهذه الرسالة وأن أحمل أمانتها بما أستطيع من صدق وتجرد دون أن أساوم على قناعتي أو أجعل من المعرفةوالمحاباة طريقا إلى ما يفترض أن يحققه القانون . لكن لكل إنسان طاقة ولكل طريق ثمن وليس مطلوبا من المرء أن يستنزف ما بقي لديه من قدرة على الحياة والطمأنينة حتى يثبت أنه كان مخلصا لما آمن به .
قال تعالى﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾صدق الله العظيم .
إنني لا أبحث عن وضع مثالي لا يخطئ فيه أحد ولا عن مؤسسات تخلو من أوجه القصور وإنما أبحث عن الحد الأدنى من الاستقرار واحترام الإجراءات ومنع التدخلات التي قد تأتي من خارج المؤسسات أو من داخلها بما في ذلك تدخل بعض الموظفين في غير حدود اختصاصاتهم..أبحث عن بيئة يكون فيها القانون هو المرجع وتكون فيها الكرامة المهنية حقا لا منحة ويستطيع فيها المحامي أن يؤدي واجبه دون أن يشعر بأنه يواجه وحده ما يتجاوز قدرته على الاحتمال. أبحث عن إجراءات مستقرة وواضحة تسير وفقا للقانون وعن قرار قضائي مستقل لا يخضع لأي تأثير غير مشروع وعن إدارة قضائية تحترم حدود اختصاصاتها وتؤدي دورها بما يحفظ حقوق المتقاضين ويصون حق الدفاع..إن استقرار الإجراءات القضائية وحماية استقلال القرار ومنع التدخلات من الداخل والخارج ليست مطالب شخصية لمحام بعينه وإنما ضمانات يحتاج إليها كل محام وكل قاض وكل متقاض حتى لا تصبح الحقوق رهنا بالمعرفة أو المحاباة وحتى يبقى القانون مرجعا للجميع دون تمييز أو استثناء..وإلى كل زميلة أو زميل محترم وإلى كل قاض أو قاضية عرفت عنهم الصدق والأمانة ونزاهة الموقف واحترام رسالة العدالة أتوجه إليكم اليوم بكلمات يختلط فيها التقدير بالألم والاحترام بما حملته السنوات من تجارب ومسؤوليات..لقد جمعتنا هذه المهنة على اختلاف مواقعنا وتباين أدوارنا وجمعتنا معها أمانة لا ينبغي أن تثقل كاهل طرف دون آخر وهي أمانة الحق والعدل وصون كرامة الإنسان. ولقد كنت أؤمن دائما أن وجود قضاة نزيهين ومحامين مخلصين وموظفين يحترمون حدوداختصاصاتهم هو ما يمنح الناس الثقة في مؤسساتهم ويجعل من القانون ملاذا للجميع..وإنني إذ أعلن قراري فإنني لا أنكر ما عرفته من مواقف طيبة ولا أنسى من تعاملت معهم بصدق واحترام ولا أضع الجميع في موضع واحد. وإنما أضع بين أيديكم خلاصة تجربة مهنيةوإنسانية أرهقتني وأوصلتني إلى مرحلة لم أعد أرى فيها القدرة على مواصلة الطريق في الظروف القائمة..إنني أخاطب فيكم ضمائركم المهنية وأقول إن حماية استقلال القضاء لا تتحقق بالشعارات وحدها وإنما بالممارسة اليومية و باحترام القانون و بالتصدي لكل تدخل يتجاوز حدوده أيا كان مصدره..كما أن صون حق الدفاع ليس منحة تمنح للمحامي وإنما ضمانة أصيلة للمتقاضي وللعدالة ذاتها..أدرك أن لهذا القرار تبعاته وأنني سأعاني منه وسأتعب بالتأكيد وربما أخسر كثيرا من وجودي مهنيا ـ إعلامياـاجتماعيا الذي بنيته عبر سنوات من العمل والاجتهاد. وقد تكون خسارتي أكبر من مجرد الابتعاد عن مهنة أو التوقف عن الكتابة والمشاركة في الشأن العام.لكن الاستمرار لمجرد الاستمرار ليس بطولة حين يصبح الثمن باهظا إلى الحد الذي يفقد معه الإنسان شعوره بالأمان والقدرة على مواصلة الطريق إنني لا أعلن خصومة مع أحد ولا أستهدف شخصا أو مؤسسة بعينها ولا أتنكر لما أؤمن به من قيم العدالة والحق.
لكنني أرفض أن أتعامل مع غياب الضمانات وكأنه أمر طبيعي وأن أواصل استنزاف نفسي في بيئة لا أجد فيها ما يكفي من الاستقرار والثقة .
قال تعالى﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾صدق الله العظيم .
أما القضيتين الوحيدتين اللتان لا تزالان منظورتان أمام المحاكم فسأظل ملتزما بما تقتضيه واجباتي القانونية تجاهها وبما يحفظ حقوق موكلي إلى أن تستكمل الإجراءات وفق القانون وبما لا يخل بالالتزامات المهنية القائمة..لقد بذلت ما استطعت وأديت ما اعتقدت أنه واجبي ولم أكن أبحث عن مجد شخصي أو امتياز خاص وإنما عن مساحة أستطيع فيها أن أعمل بضمير وأن أدافع عن الحق دون أن أفقد شعوري بالأمان .
وسأظل مؤمنا بأن الحق لا يفقد قيمته حين يخذله بعض الناس وأن العدل لا يصبح بلا معنى حين تتعثر مؤسساته وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا .
قال تعالى﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾
صدق الله العظيم .
لكل زميلة وزميل ولكل قاض و قاضية عرفت عنهم الصدق والأمانة والاحترام أقول إن تقديري لكم باق وإن ابتعادي لا يلغي ما أحمله من احترام لكل موقف شريف عرفته في هذه الرحلة..و أرجو أن تتسع مساحات العمل الآمن وأن تبقى الأمانة حية في ضمائر من يحملون مسؤولية العدالة وأن يجد كل صاحب حق طريقه إلى الإنصاف دون خوف أو استثناء..وأخيرا و أولا أتوجه إلى أهل بيتي وأنتم كل ما أملك وأغلى ما بقي لي من هذه الحياة..إلى زوجتي رفيقة العمر وشريكة الطريق وإلى أبنائي وبناتي وإلى أحفادي الذين يضيئون ما تبقى من أعمارنا بكل ما تحمله جوانحي من محبة لكم وما يعجز اللسان أحيانا عن البوح به من مشاعر..أنتم الوجه الذي أعود إليه حين تتعبني الحياة وأنتم السكينة التي أبحث عنها حين تضيق بي الطرق وأنتم المعنى الذي يجعل لكل ما مضى قيمة ولكل ما هو آت أملا. ولأجلكم تحملت الكثير وصبرت على ما استطعت وواصلت الطريق ما وجدت في نفسي قدرة على المواصلة..قد لا تدركون تماما ما أثقل القلب وما استنزف الروح خلال السنوات الماضية لكنني أريدكم أن تعلموا أن هذا القرار ليس تخليا عن واجب ولا هروبا من مسؤولية وإنما هو محاولة لاستعادة شيء من الطمأنينة التي افتقدتها وحماية ما تبقى من قدرتي على العيش بكرامة وهدوء بينكم .. سامحوني إن حملت إليكم شيئا من تعبي وإن انعكس ما مررت به على وجوهكم أو أيامكم. فما أردت يوما أن يكون ألمي عبئا عليكم ولا أن تمتد إليكم تبعات ما واجهته خارج جدران بيتنا..أنتم لستم طرفا في معاركي مع الحياة وإنما أنتم بيتي وملاذي وأجمل ما وهبني الله..زوجتي الحبيبة وأبنائي وبناتي و أحفادي الغالون أنتم ثروتي التي لا تقاس بمال ولا بمنصب ولا بمكانة مهنية..وإذا كنت قد قررت أن أبتعد عن مهنة أعطيتها سنوات من عمري وعن الكتابة والإعلام اللذين حملا جانبا من فكري وصوتي فإنني أريد أن أقترب أكثر من الحياة التي تجمعني بكم وأن أستعيد بينكم ما أحتاج إليه من سكينة ورضا..أسأل الله أن يحفظكم لي وأن يديم المحبة بيننا وأن يجعل أيامكم أوسع أملا وأقل تعبا وأن يعوضنا جميعا عن كل لحظة ضاقت فيها بنا الحياة. فما بقي لي من أمنيات لا يتجاوز أن أراكم بخير وأن أعيش بينكم بسلام وأن أترك لكم ذكرى رجل اجتهد في حياته وأخطأ وأصاب لكنه أحبكم من أعماق قلبه ولم يجعل في هذه الدنيا شيئا أغلى منكم..أنتم أهلي وسندي وامتداد عمري وأنتم بعد الله النعمة التي أحمده عليها في كل حين..إنني لا أغادر هذه المرحلة خصومة مع أحد ولا رغبة في الإساءة إلى أحد وإنما أضع حدا لمسار لم أعد قادرا على مواصلته في الظروف القائمة. وأترك للزمن و للوقائع أن يقولا ما تعجز الكلمات أحيانا عن شرحه أسأل الله أن يصلح أحوال البلاد والعباد وأن يهيئ للناس من أمرهم رشدا وأن يحفظ لكل صاحب حق حقه ولكل صاحب رسالة كرامته وأن يجعلنا ممن يقولون الحق ويعملون به ولا يبتغون إلا رضاه .
حسبي الله ونعم الوكيل...
المحامي/جسار فاروق مكاوي ـ عدن .