خبر تأريخ الجنوب
قبل 100 عام.. الزعيم أبوبكر العطاس يوجه نداءً لإحياء حضرموت واستثمار ثرواتها الطبيعية
وثيقة حضرمية من عام 1921.. الزعيم أبوبكر بن عبدالله العطاس يطلق نداءً لإحياء حضرموت واستثمار ثرواتها
*- شبوة برس – خاص
تكشف وثيقة تاريخية مؤرخة في 19 يناير 1921م، عن رؤية مبكرة للزعيم الحضرمي أبوبكر بن عبدالله العطاس، والد رئيس الوزراء الأسبق حيدر أبوبكر العطاس، بشأن النهوض بحضرموت وإخراجها من حالة التراجع الاقتصادي والاجتماعي، عبر استثمار ثرواتها الطبيعية وتوحيد جهود أبنائها في الداخل والمهجر.
ونشرت صفحة أسرة السادة آل الكاف، ضمن ألبوم «من وثائق التاريخ الحضرمي»، نص نداء وجهه العطاس إلى أبناء حضرموت، دعا فيه إلى الانتقال من الأقوال إلى ميادين العمل، مؤكداً أن بلاده تمتلك من الخيرات وخصوبة الأرض والموارد ما يفوق حاجة سكانها، لكنها تعاني من هجرة أبنائها ونقص الأيدي العاملة وتعثر مشاريع التنمية.
حضرموت بين الساحل والوادي
وتبرز أهمية الوثيقة في تشخيصها المبكر لمقومات الاقتصاد الحضرمي، إذ حدد العطاس منطقتين أساسيتين لا يمكن النهوض بإحداهما بمعزل عن الأخرى: الساحل البحري والوادي.
فقد تناول إمكانات الساحل في الثروة السمكية، وموقعه بوصفه ممراً إلى دواخل البلاد، كما لفت إلى الإمكانات الاقتصادية لخليج العيقة الواقع بين المكلا والبقرين، وما يحتويه من كميات كبيرة من ملح الطعام، مقترحاً إقامة شركة تنشئ السدود ومعملاً لتكرير الملح، بما يحول هذا المورد الطبيعي إلى مصدر للثروة.
وكشف العطاس في الوثيقة أن سلطان البلاد الحضرمية أبلغه، خلال وجوده في حضرموت سنة 1327هـ، بأن شركة أجنبية طلبت امتياز استخراج الملح من المنطقة، لكنه رفض منحها الامتياز، رغبة منه في أن يتولى أبناء حضرموت استثمار هذا المورد بأنفسهم، داعياً إلى المحافظة على هذا التوجه الوطني.
كما أشار إلى منابع المياه المتدفقة من الجبال وتكوينها للغيول، وما تتيحه من فرص واسعة للزراعة والعمارة وتحويل المناطق التي تعاني البؤس إلى مناطق منتجة ومزدهرة.
أما وادي حضرموت، بشطريه العلوة والحدرة، فقد وصفه بأنه منطقة ذات أهمية خاصة لكثافة سكانها وعمرانها ومدنها وأراضيها الزراعية الخصبة، مستحضراً مكانتها التاريخية وما عرفته من مجد وسؤدد.
دعوة مبكرة لوحدة الساحل والوادي
ومن أبرز ما تضمنه النداء تأكيد العطاس أن الساحل والوادي جناحان متكاملان، لا يستغني أحدهما عن الآخر، وأن إصلاح الداخل يحتاج إلى إصلاح الساحل، كما أن ازدهار الساحل مرتبط بعمارة الداخل، مشدداً على ضرورة إنشاء طريق ييسر المواصلات والاتصال بينهما.
ولم يكتفِ العطاس بالتشخيص وتقديم المقترحات، بل أعلن استعداده الشخصي للمشاركة في مشاريع الإصلاح، سواء بالعمل المباشر أو المساهمة المالية، داعياً إلى بناء الثقة المتبادلة بين الزعماء والأعيان وأبناء المجتمع، والاستفادة من دعم السلطان للأعمال التي تخدم الوطن.
واختتم نداءه بدعوة صريحة إلى تجاوز مرحلة الكلام والانتقال إلى الإنجاز والعمل، قائلاً: «وهلموا بنا نخرج بعد اليوم من ميدان الأقوال التي لم تفد وطننا ولا مواطنينا شيئاً ونتقدم إلى ميادين العمل، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يرى».
وثيقة تتجاوز زمنها
وتكتسب هذه الوثيقة، التي نشرها أرشيف أسرة السادة آل الكاف، قيمة تاريخية خاصة؛ فهي لا تسجل مجرد مقترحات اقتصادية عابرة، بل تقدم تصوراً متكاملاً للتنمية في حضرموت قبل أكثر من قرن، يقوم على استثمار الموارد المحلية، وتشجيع رأس المال الوطني، وربط الساحل بالوادي، والاستفادة من خبرات وأموال الحضارم في المهجر.
كما تسلط الضوء على جانب من تاريخ الأسرة العطاسية، إذ إن صاحب النداء أبوبكر بن عبدالله العطاس هو والد دولة رئيس الوزراء الأسبق حيدر أبوبكر العطاس.
وتعيد الوثيقة إلى الواجهة سؤالاً ظل حاضراً في تاريخ حضرموت: كيف يمكن تحويل ما تمتلكه البلاد من ثروات ومقومات بشرية وطبيعية إلى نهضة اقتصادية حقيقية، بدلاً من استمرار هجرة أبنائها وتعطل مواردها؟