خبر تأريخ الجنوب
المخلافي يدعو إلى ضمم عدن ولحج وأبين إلى تعز.. وعزل شبوة وحضرموت؟!
*- شبوة برس – خاص
أثار بيان الدكتور محمد أحمد علي المخلافي، نائب الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني، الذي أعلن فيه مباركته لما وصفه بـ«القرار التاريخي» بشأن تحديد محافظات جنوب اليمن لتشمل إب وتعز والبيضاء والضالع ولحج وأبين وعدن، تساؤلات سياسية وتاريخية بشأن خلفيات هذه الدعوة، وما تعنيه لمستقبل الهوية الجنوبية والجغرافيا السياسية للجنوب العربي.
فالمخلافي يرى أن تحديد المحافظات السبع يفتح الباب أمام مشروع سياسي وإداري مشترك، ويطالب بتمثيل عادل وشراكة في تقرير المصير. غير أن شبوة برس يرى أن المسألة لا يمكن اختزالها في إعادة رسم حدود إدارية أو توسيع قائمة المحافظات، بل تتطلب الإجابة عن سؤال جوهري: من يملك حق تحديد هوية الجنوب العربي وجغرافيته ومستقبله السياسي، وهل يجوز تجاوز إرادة أبنائه التاريخية في تقرير مصيرهم؟
إن الدعوة إلى إدخال إب وتعز والبيضاء ضمن جغرافية الجنوب، في مقابل غياب شبوة وحضرموت عن قائمة المحافظات التي أعلن المخلافي تأييدها، تثير مخاوف مشروعة بشأن المعايير التي استند إليها هذا التحديد، خصوصًا أن شبوة وحضرموت تمثلان ركيزتين أساسيتين في تاريخ الجنوب العربي وامتداده الجغرافي والاقتصادي والثقافي.
ويرى شبوة برس أن أي مشروع يتناول مستقبل الجنوب لا بد أن ينطلق من حق أبنائه في تحديد هويتهم وحدود كيانهم السياسي، لا من تصورات حزبية أو حسابات سياسية أجنبية تُفرض عليهم من خارج إرادتهم.
من مؤتمر زنجبار بدأت مرحلة التحول الأيديولوجي
لفهم حساسية هذه القضية لدى قطاعات واسعة من أبناء الجنوب، لا بد من العودة إلى السنوات الأولى التي أعقبت الاستقلال في 30 نوفمبر 1967، حين دخل روفلات الجبهة القومية مرحلة صراع داخلي حاد على هوية الدولة الجديدة، وطبيعة نظامها السياسي والاقتصادي، وموقعها من محيطها العربي.
في مارس 1968، كانت الجبهة القومية تعقد مؤتمرها العام الرابع في مدينة زنجبار بمحافظة أبين، ضمن أعمال المؤتمر الذي انعقد خلال الفترة من 2 إلى 8 مارس من ذلك العام. وقد مثّل المؤتمر محطة مفصلية في الصراع بين التيارات داخل الجبهة، وانتهت مداولاته إلى تعزيز نفوذ التيار اليساري الماركسي الشيوعي وتوجهاته الأيديولوجية، بما في ذلك تبني الماركسية اللينينية ومشروعات التغيير الجذري في بنية الدولة والمجتمع.
وتشير دراسات تاريخية إلى أن مخرجات المؤتمر تضمنت توجهات لإعادة تشكيل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، وتوسيع تدخل الدولة في الاقتصاد، وتأميم قطاعات وممتلكات، وإنهاء امتيازات اقتصادية قائمة، إلى جانب الدعوة إلى تشكيل مجالس شعبية وميليشيا شعبية. وقد كانت هذه التوجهات موضع خلاف حاد داخل الجبهة القومية نفسها، ولا سيما بين أنصار الرئيس قحطان الشعبي والتيار اليساري الذي برز فيه عبدالفتاح إسماعيل وسالم ربيع علي
ومن منظور شبوة برس، لم يكن الخطر في تبني نظرية سياسية بعينها مجرد خلاف فكري، بل في تحويل الدولة ومؤسساتها ومقدرات المجتمع إلى ساحة لتصفية الحسابات الأيديولوجية، وإقصاء الكفاءات والشركاء السياسيين، وفرض تغييرات جذرية لم تراعِ طبيعة المجتمع الجنوبي وتنوعه التاريخي والاجتماعي.
لقد ارتبطت تلك المرحلة، بحسب الرواية التاريخية التي يعرضها هذا المقال، بتصاعد النزعة الإقصائية، واستهداف قطاعات من النخبة المدنية والعسكرية والاقتصادية، وتهيئة المناخ الذي اتسعت فيه لاحقًا ممارسات الاعتقال والتصفية السياسية والتأميم والتهجير.
روفلات الجبهة القومية وإقصاء النخبة الجنوبية
يرى كاتب هذا المقال أن من أخطر ما أصاب الجنوب العربي في تلك المرحلة استهداف النخب التي أسهمت في بناء مؤسساته الحديثة، من رجال الدين والعلماء والمفتين، إلى السياسيين والعسكريين والإداريين والتجار والمثقفين بالدهس بالسيارات والقتل بالرصاص والرمي في آباء مياه الشرب المهجورة.
ويستعيد أبناء تلك المرحلة وقائع الاعتقال والإقصاء والفصل من الوظائف والتهجير، إلى جانب حوادث قتل واختفاء قسري لا تزال بعض أسر ضحاياها، وفق رواياتها، تجهل حتى اليوم مصير أقاربها أو أماكن دفنهم.
ومن الأسماء اليمنيةالتعزية التي جلبت النكبة وساهمت في جريمة ذبح الجنوب والتي يستحضرها هذا السرد التاريخي عبدالفتاح إسماعيل، ومحسن الشرعبي، وعبدالله الأشطل، وعبدالله الخامري، وعبدالعزيز عبدالولي ناشر، ومحمود عشيش، في سياق الدور الذي ينسبه الكاتب إلى شخصيات وقيادات ارتبطت بمشروع يمننة الجنوب والتحولات السياسية والأيديولوجية التي أعقبت الاستقلال.
ولا يفصل الكاتب بين هذه التحولات وبين ما يراه من انتقال تدريجي من مشروع الاستقلال الوطني إلى مشروع أيديولوجي ماركسي لينيني متطرف سعى إلى إعادة تشكيل هوية الدولة ومجتمعها، وربط مستقبل الجنوب بمشروع الوحدة اليمنية، بدل الحفاظ على خصوصيته التاريخية وهويته العربية الجنوبية.
ويشير المقال كذلك إلى ما تعرض له كوادر عدنية رفيعة من الإقصاء، ومن ذلك واقعة طرد نحو 170 كادرًا في مارس 1968، بقرار جمهوري معلن التي يستند إليها الكاتب، وما ترتب على تلك الإجراءات من اضطرار بعض الكفاءات إلى الهجرة العاية التأهيل في بريطانيا والعمل في بلدان أخرى، في وقت كان الجنوب أحوج ما يكون إلى خبراتها في بناء الدولة.
التأميم وميناء عدن ومطارها.. خسائر لم يطوها الزمن
لم تقتصر التحولات على السياسة والأمن، بل امتدت إلى الاقتصاد والملكية الخاصة. فقد شهدت الفترة الممتدة من عام 1968 إلى عام 1972 قوانين وإجراءات تأميم شملت قطاعات اقتصادية متعددة، من بينها الأراضي الزراعية والبنوك والشركات والنقل والاتصالات وبعض الأنشطة التجارية والعقارات المؤجرة
ويصف الكاتب محرر شبوة برس هذه الإجراءات بأنها من الكوارث الاقتصادية التي أصابت الجنوب، ويرى أنها أضعفت رأس المال الجنوبي وأدت إلى تراجع النشاط التجاري وهجرة عدد من التجار وأصحاب الأعمال، ومنهم من اتجه إلى جيبوتي والحديدة وغيرها من الوجهات.
كما يضع الكاتب ما أصاب ميناء عدن ثالث ميناء في العالم من حيث حركة السفن ومطار عدن الذي يسبق مطارات سنغافورة وطوكيو كمثال في قلب هذه الخسائر، مستحضرًا المكانة التجارية والملاحية التي تمتعت بها عدن قبل الاستقلال، وما كان يمثله الميناء والمطار من مقومات استراتيجية لاقتصاد الجنوب العربي وصلاته بالعالم.
ويرى شبوة برس أن من حق الأجيال الجنوبية أن تناقش هذه التجربة الاقتصادية والسياسية بجرأة، وأن تقيّم نتائجها على المجتمع ومؤسسات الدولة ومصالح المواطنين، بعيدًا عن تبرير الإخفاقات أو مصادرة حق الضحايا في رواية ما عاشوه.
من الإقصاء إلى العنف.. ذاكرة لم تنتهِ
ويستحضر المقال ما تعرض له ضباط وأفراد في المؤسسات العسكرية والأمنية، بدءًا من قضية قتل ضابط الأمن الشبواني أحمد سالم عيدروس السليماني أثناء مراجعته الطبيب في مستشفى الملكة أليزابث (الجمهورية حاليا) عام 1968، مرورًا بما يورده الكاتب عن مقتل نحو أربعين ضابطًا في عملية اغتيال جماعية في ساحل أبين، ووقائع إلقاء جثامين في آبار مياه مهجورة بالصحراء، إلى جانب الاغتيالات والاعتقالات والتجريد من الوظائف والرتب تبها قتل الآلآف ختمت بجريمة 13 يناير 1986م.
كما يتناول أحداثًا وقعت في سبتمبر 1973 واستمرت حتى نهاية العام، ارتبطت بما سُمّي «انتفاضة الفلاحين»، ويورد الكاتب روايات عن سحل علماء ومفتين وشخصيات اجتماعية في عدن ولحج وأبين وشبوة وحضرموت، وعن الاعتداء عليهم وقتل بعضهم بوسائل وحشية، من بينها التهشيم بالفؤوس منهم مفتي عدن الشيخ علي محمد باحميش ومفتي العوالق السيد أحمد بن صالح الحداد ومفتي بلاد الواحدي السيد أحمد عبدالله المحضار كعيتي وعشرات من علماء حضرموت أبرزهم السيد محمد بن سالم بن حفيظ والسادة آل العيدروس في شبام سحلهم أحمد عبيد دغر.
ومن الأسماء التي يذكرها الكاتب في سياق الشخصيات التي ارتبطت بتنظيم الجبهة القومية في شبوة وحضرموت: أحمد عبيد بن دغر، وسالم الخنبشي، وصالح السييلي، وحسن باعوم، وأحمد مساعد حسين.
ويؤكد شبوة برس أن هذه الوقائع، بما تتضمنه من اتهامات خطيرة وأحداث متنازع على تفاصيل بعضها، تستحق التوثيق التاريخي الجاد والبحث في السجلات والشهادات المتاحة، لا طمسها أو التعامل معها باعتبارها صفحات لا يجوز فتحها. فحق الضحايا وأسرهم في معرفة الحقيقة لا يسقط بمرور الزمن، كما أن الإنصاف التاريخي يقتضي التمييز بين المسؤوليات الفردية والوقائع المثبتة والروايات التي تحتاج إلى مزيد من التوثيق.
شبوة وحضرموت ليستا هامشًا في جغرافية الجنوب العربي
إن استدعاء هذه الذاكرة ليس خروجًا عن موضوع بيان المخلافي، بل هو جزء من فهم أسباب الحساسية الجنوبية تجاه أي مشروع يراد من خلاله إعادة تعريف الهوية أو رسم الجغرافيا السياسية من دون توافق وطني جنوبي حقيقي.
فحين يطرح قيادي في الحزب الاشتراكي اليمني ذو سجا إجرام سياسي ووطني ودرائم قتل تصورًا يضم إب وتعز والبيضاء إلى المحافظات الجنوبية، بينما لا يدرج شبوة وحضرموت ضمن القائمة التي يؤيدها، يصبح من المشروع التساؤل عن الأسس التاريخية والسياسية التي بُني عليها هذا التصور، وعن مكانة المحافظات الشرقية في أي مشروع يتحدث باسم الجنوب.
ويرى شبوة برس أن شبوة وحضرموت ليستا تفصيلًا يمكن تجاوزه أو فصله عن بقية الجنوب، كما أن عدن ولحج وأبين والضالع والمهرة وسقطرى لا يجوز التعامل معها بوصفها مجرد وحدات إدارية قابلة للإلحاق أو الاستبعاد وفق الحسابات الحزبية.
إن الجنوب العربي ليس قائمة محافظات تُحدّدها بيانات التأييد، ولا مشروعًا سياسيًا يحق لأي حزب إعادة رسمه منفردًا. إنه قضية شعب وهوية وحق في تقرير المصير، تستند إلى إرادة أبنائه وتاريخهم ومصالحهم المشتركة.
ومن هنا، فإن شبوة برس يرى أن أي حديث عن مستقبل الجنوب ينبغي أن يبدأ بالاعتراف بهويته العربية الجنوبية وحق شعبه في تقرير مصيره، وأن يضمن المشاركة الحقيقية لجميع محافظاته، وفي مقدمتها شبوة وحضرموت، بعيدًا عن الإقصاء والتهميش وإعادة إنتاج تجارب الماضي.
الخلاصة: لا يمكن بناء مستقبل مستقر بتجاهل التاريخ
إن بيان المخلافي، بصرف النظر عن اللغة التي صيغ بها، يفتح بابًا للنقاش بشأن حدود المشروع السياسي الذي يتحدث باسمه، ومدى اتساقه مع حق أبناء الجنوب العربي في اختيار مستقبلهم.
لكن الأهم أن لا يتحول هذا النقاش إلى غطاء لإعادة إنتاج سياسات الإقصاء التي عانى منها الجنوب بعد الاستقلال، أو إلى محاولة لتهميش شبوة وحضرموت أو إخراجهما من معادلة تقرير المصير.
ويرى شبوة برس أن الدرس الأبرز من تجربة ما بعد الاستقلال هو أن احتكار القرار، وفرض الأيديولوجيا، وتصفية الخصوم، والإضرار بالمؤسسات المدنية والعسكرية والاقتصادية، تترك جراحًا عميقة في المجتمع لا تمحوها الشعارات.
ومن حق الأجيال الجنوبية أن تتعلم من تلك التجربة، وأن ترفض إعادة إنتاج أسبابها، وأن تجعل إرادة شعب الجنوب العربي وهويته ومصالح أبنائه أساسًا لأي مشروع سياسي قادم.
فالجنوب العربي لا يحتاج إلى إعادة تدوير صراعات الماضي، بل إلى مشروع وطني يستوعب تنوعه، ويحفظ حقوق محافظاته، ويصون كرامة أبنائه، ويمنع تكرار الإقصاء والتهجير والتصفية السياسية تحت أي شعار كان.
*- المحرر السياسي لــ "شبوة برس"