عند الحديث عن معنى “الشرعية” ،ويقصد بها حكومة اليمن الهاربة في الرياض منذ 11 عام يكون الحديث عن مصطلح افتراضي غير موجود .
ويظل مفهوم “الشرعية السياسية” أحد أكثر المصطلحات تعرضاً للابتذال والتشويه في الأزمة اليمنية المستمرة .. فبينما تُعرف الشرعية في العلوم السياسية بأنها ﴿القبول الطوعي والمستمر من المحكومين لسلطة الحاكم بناءً على قدرته على حمايتهم وتلبية احتياجاتهم﴾ تحول هذا المفهوم في الحالة اليمنية إلى مجرد “صك قانوني دولي” معزول تماماً عن تراب الوطن وعن تطلعات الشعب. ومع دخول الأزمة عامها الحادي عشر، تبرز تساؤلات حتمية: كيف يمكن لسلطة أن تحافظ على وصف “الشرعية” وهي تقيم في دولة خارجية ، تاركةً شعبها بلا خدمات؟ ولماذا يتمسك بها التحالف الإقليمي رغم فقدانها للقرار والسيادة؟
كيف تسقط الشرعية عند انعدام الخدمات؟:
تقوم شرعية أي حكومة على معادلة بسيطة: الاعتراف والقبول الشعبي مقابل الإنجاز على الأرض.
سقوط الشرعية :
لا يمكن لسلطة سياسية (سواء عبر الحكومات المتعاقبة وصولاً إلى مجلس القيادة الرئاسي الحالي) أن تدعي تمثيل شعب تتركه يواجه الأزمات الاقتصادية الطاحنة، وانهيار العملة، وغياب الخدمات الأساسية كـ الكهرباء والماء والصحة.
الفجوة بين الداخل والخارج:
إن إدارة شؤون البلاد عبر “الاتصال المرئي” أو الهاتف من غرف الفنادق العاصمة الرياض، يحوّل السلطة من “مسمى حكومة حقيقية” إلى “سلطة افتراضية” فاقدة للشرعية.
وعندما يعجز أي مسؤول عن العيش وسط مواطنيه وتقاسم المعاناة معهم، يسقط الرابط الأخلاقي والسياسي ‘ الشرعية ‘ الذي تمنحه الجماهير للحاكم طوعاً، لتتحول الشرعية إلى مجرد لافتة بروتوكولية للاستهلاك الخارجي فقط وتمرير الأجندات الخارجية.
لماذا يتمسك التحالف ” السعودية” بشرعية فاقدة القرار والسيادة ؟:
رغم الإدراك الإقليمي والدولي لهشاشة هذه السلطة وفقدانها مقومات الشرعية وانقساماتها الداخلية وتآكلها، إلا أن تمسك المملكة العربية السعودية والتحالف بها لا ينبع من كفاءتها، بل من حسابات جيوسياسية وقانونية دقيقة :
الغطاء القانوني الدولي للتدخل:
تمثل هذه الحكومة المظلة القانونية الوحيدة التي يستند إليها التحالف أمام المجتمع الدولي والمنظمات الأممية (مثل القرار الأممي 2216). وبدون وجود هذا الكيان المعترف به دولياً، يتحول التدخل العسكري الخارجي إلى اعتداء مباشر غير شرعي واحتلال وفق القانون الدولي.
منع شرعنة سلطات الأمر الواقع:
التمسك بالشرعية المعترف بها هو خط الدفاع السياسي لمنع الاعتراف الدولي بمليشيات الحوثي في صنعاء أو أي قوى أخرى كـ سلطة دولة رسمية على الأرض.
أداة للتفاوض وصياغة وتمرير الحل النهائي:
تحتاج القوى الإقليمية إلى واجهة يمنية رسمية توقع على أي اتفاقيات سلام مستقبلي أو تسويات سياسية شاملة، بحيث تضمن هذه التوقيعات مصالح الدول الإقليمية وتأمين حدودها بطرق قانونية ملزمة.
شرعية الحبر لاشرعية الأرض:
إن “الشرعية” ليست نصوصاً تُكتب في أروقة الأمم المتحدة، ولا تسميات تطلق على فلول هاربة ،ولا هي شيكات دعم تُصرف في العواصم الخارجية.
الشرعية الحقيقية تفرض على الأرض وتُنتزع من صنعاء ، وتُصنع في كل شبر من الأرض عبر التلاحم مع المواطن وتوفير أمنه وقوته اليومي. وطالما ظلت قيادات اليمن رهينة التجاذبات الإقليمية والارتهان الخارجي، فإن ما تملكه ليس “شرعية حكم”، بل هو مجرد “شرعية حبر على ورق” يتآكل رصيدها شعبياً مع كل يوم يستمر فيه غيابهم عن الداخل.
