ليس عيبًا أن نختلف، ولا نقيصة أن تتعدد الأصوات والرؤى، وإنما العيب أن نعتقد أن الاختلاف شر، وأن من يخالفنا في الرأي قد خان الوطن. فالتنوع سنة كونية، وقد خلق الله البشر مختلفين في ألوانهم وألسنتهم وأشكالهم وعقولهم، ولم يكن هذا التنوع خللًا، بل آية على عظمة الخالق وحكمة الخلق.
ومن هذا المنطلق، فإن الجنوب ليس ملكية خاصة لأحد، ولا مساحة مغلقة على فئة دون أخرى، بل وطن يتسع لجميع أبنائه. أرضه تحتضن الجميع، ومستقبله يجب أن يُكتب بأيدي الجميع. فالجنوب الذي لا يتسع لأبنائه المختلفين يضعف نفسه ويهدم كيانه بيديه.
المشكلة إذن ليست في الاختلاف، وإنما في كيفية إدارته. هل نجعله جسرًا للحوار والتواصل، أم سورًا للخصومة والعداوة؟ وهل نستثمر التعدد لإثراء الحياة السياسية والاجتماعية، أم نحاول فرض تماثل زائف يخنق الإبداع ويقتل الحوار؟
إن السياسة الناضجة لا تقوم على إلغاء الخلاف، بل على احتوائه وتحويله من صراع هدام إلى تنافس بناء. ومن هنا تأتي قاعدة “فرقاء السياسة شركاء الوطن”، فهي ليست شعارًا بروتوكوليًا، بل اعتراف بأن الجنوب، مهما اتسعت الخلافات بين أبنائه، يظل وطنًا واحدًا ومسؤولية مشتركة.
ولترجمة هذه الشراكة إلى سلوك عملي، يجب أولًا التخلص من مفردات التخوين والتهميش، والنظر إلى الطرف الآخر باعتباره شريكًا في المصير، يختلف معنا في طريقة الوصول لا في غاية الرحلة.
كما ينبغي رفع سقف التوافق حول الثوابت الوطنية، وخفض سقف الخلاف حول القضايا الفرعية. نختلف في الرأي، لكن لا نختلف على مصير الوطن، ونتجادل في الوسائل دون أن نحول الخلاف إلى خصومة شخصية.
وتظهر حقيقة الشراكة الوطنية في أوقات الأزمات، حين تتقدم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة. فالوطن سفينة واحدة، وأي محاولة لإغراق الآخر ستلحق الضرر بالجميع.
كما أن الإعلام والخطاب العام مطالبان بأن يكونا وسيلة للحوار لا منصة للاتهام، وأن نستمع إلى الآخر ونعترف بالخطأ حين نخطئ، لأن احترام الشريك أهم من تحقيق مكسب سياسي مؤقت.
إن “فرقاء السياسة شركاء الوطن” ليست فضيلة اختيارية، بل ضرورة لحماية الوطن ومستقبله. فكل طرف يمسك بجزء من فسيفساء الوطن، ولا تكتمل الصورة إلا بتضافر جميع القطع مهما اختلفت ألوانها.
فلنجعل من السياسة رحمة، ومن الخلاف تنوعًا، ومن الوطن مساحة تجمعنا، لنثبت بأفعالنا أننا فرقاء في الرأي، شركاء في المصير، وأبناء في حضرة الوطن.
