ثمة معارك خبيثة لا تُدار بقعقعة السلاح في جبهات القتال المفتوحة ولا أصوات المدافع، بل تُنسج خيوطها الدنيئة داخل غرف مظلمة عبر سلاح صامت يراد منه أن يكون جائراً وقاسياً؛ إنه سلاح الإخضاع والمنع ومحاولة خنق الأنفاس عبر التحكم بوقود الحياة اليومية وقوت البسطاء.
من عدن الصابرة المرابطة إلى شبوة الممتدة فوق بحار من الخيرات والموارد الطبيعية يقف المواطن اليوم شامخاً أمام واقع مرير يُراد له أن يكون مظلماً وموحشاً.
حيث تحولت أبسط مقومات العيش الإنساني الكريم، كغاز الطهي المنزلي ومشتقات الطاقة الحيوية إلى أوراق ضغط سياسية ومساومات رخيصة تلوح بها قوى الأمر الواقع التي اعتادت إدارة الأزمات المفتعلة لتطويع الإرادات الحرة وكسر الأنفة.
لكن الممسكين بزمام هذا التضييق يجهلون تماماً طبيعة الأرض التي يتعاملون معها وجينات الإنسان الذي يستهدفونه.
إن إطفاء شعلة الغاز في البيوت والمطابخ لم يطفئ جذوة العزيمة في القلوب، بل أعاد إحياء إرادة صلبة لا تقبل الانكسار أو المساومة على الحقوق.
اليوم تعود الروائح الأصيلة لتملأ الأفق؛ رائحة دخان الحطب الملتهب التي تحولت بفضل هذا الحصار من مجرد وسيلة بدائية اضطرارية إلى عنوان عريض للتحدي الشعبي الشامل.
كل قطعة حطب تُشعل اليوم في الجنوب هي رسالة سياسية بليغة مكتوبة بدخان الكبرياء الذي لا يلين، رسالة تؤكد للقاصي والداني أن الجوع والعدم المصنوعين عمداً لا ينتجان التنازل، بل يصقلان المعادن الحرة التي ترفض التبعية أو الركوع لإملاءات سلطات تسعى لفرض سطوتها عبر تجفيف الينابيع وحصار الموانئ وقطع الشرايين.
إنها لمفارقة عجيبة تدمي القلوب وتثير الحفيظة أن يبيت أصحاب الأرض النفطية والغازية على رماد الحطب ويقاسون شظف العيش بينما تتدفق الثروات من تحت أقدامهم لتغذية حسابات وأجندات غريبة عن تطلعاتهم وهويتهم.
هذا الحرمان الممنهج الذي يتلفع تارة بثوب الأزمات التموينية وتارة أخرى بذرائع اللوجستيات والأعذار الواهية ليس سوى محاولة يائسة للنيل من الهوية والكرامة والقرار المستقل.
غير أن العبث بقوت الناس وتسييس الخدمات الحيوية هو دائماً سلاح ذو حدين؛ فالتاريخ يعلمنا أن الضغط المفرط وسياسات التجويع لا تولد الخنوع والذل، بل تفجر بركاناً من الكرامة يطيح بكل حسابات المحاصرين ويدمر أوهامهم.
إن من يظن واهماً أن خنق الأسواق وقطع شريان الطاقة والوقود سيوصل شعباً بكامله إلى حافة الاستسلام والقبول بالأمر الواقع، فهو يعيش في عزلة عن الواقع.
فالشعوب التي توارثت الأنفة والشموخ كابراً عن كابر وترى في صون عزة نفسها وحريتها غاية أسمى من ترف العيش، قادرة على تحويل الرماد إلى سلاح، ودخان المطابخ المحاصرة إلى رايات صمود تلخص الموقف بوضوح تام: نموت واقفين دفاعاً عن كرامتنا وخياراتنا ولا ننحني لعواصف التجويع والإخضاع مهما بلغت شدتها.
