تحلّ علينا الذكرى الخامسة والخمسون لتأسيس المؤسسة العسكرية الجنوبية العتيدة، وهي المناسبة التي لم تكن يوماً مجرد محطة لتقليب صفحات الماضي، بل عنواناً يتجدد فيه الإصرار على استكمال ملامح الدولة وعمودها الفقري. وفي هذا السياق، جاءت كلمة سيادة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، القائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية، لتضع النقاط على الحروف، وتقدم رؤية استراتيجية شاملة لمرحلة فارقة من تاريخ الجنوب.
لم تكن كلمة الرئيس الزُبيدي مجرد بيان خطابي لمناسبة وطنية، بل حملت في مضامينها قراءة عميقة للواقع العسكري والأمني، ورسائل متعددة الاتجاهات في الداخل والخارج. فقد استعرض سيادته مسيرة هذا الجيش العظيم الذي تشكّل في الأول من سبتمبر عام 1971م، وكيف استطاع -رغم محاولات التفكيك والتهميش التي تلت حرب صيف 1994م- أن ينبعث من جديد من رحم المقاومة الجنوبية الباسلة، ليعيد كتابة التاريخ بأقلام من نور ودماء من فداء.
تجلّت في كلمة القائد رؤية واضحة تعكس حجم التحديات الراهنة، ويمكن تلخيص أبرز مرتكزاتها في النقاط التالية:
العقيدة الوطنية والتطوير المستمر: التأكيد على أن القوات المسلحة الجنوبية اليوم تمثل الدرع الحصين للوطن، وأن الاستثمار في تطوير قدراتها، وتدريب كوادرها، وتنظيم تشكيلاتها وفق أسس حديثة، هو خيار استراتيجي لا رجعة عنه لحماية المكاسب الوطنية.
مكافحة الإرهاب وتثبيت الأمن: الإشادة بالبطولات التي تسطرها القوات الجنوبية في مواجهة التنظيمات الإرهابية وتأمين خطوط الملاحة والمنافذ، مما يجعل الجنوب شريكاً فاعلاً وأساسياً للمجتمع الدولي في حفظ الأمن والسلم الإقليميين.
الوفاء للشهداء والجرحى: التذكير الدائم بالتضحيات الجسام التي قدمها أبناء الجنوب، وأن دماء الشهداء هي الرمز والمعيار الذي تُبنى عليه كافة المقاربات السياسية والعسكرية.
التلاحم بين القيادة والشعب: الرسالة الجوهرية بأن قوة الجيش الجنوبي نستمدها من التفاف الشعب حول مشروعه الوطني، وأن المؤسسة العسكرية ستظل صمام الأمان والضامن للوصول إلى الغايات الوطنية المنشودة.
إن قراءة ما بين سطور الكلمة تؤكد أن الجنوب اليوم يمتلك قوة نظامية تحمي أرضه وتصون قراره، وأن ذكرى تأسيس الجيش هي تجديد للعهد والوفاء لكل قائد وضابط وجندي يذود عن حياض الوطن. لقد أثبتت الأيام أن الأمم التي تملك مؤسسة عسكرية صلبة ذات عقيدة وطنية راسخة هي الوحيدة القادرة على فرض حضورها وصيانة سيادتها.
رحم الله شهدائنا الأبرار، وحفظ الله قواتنا المسلحة الجنوبية، وكل عام والجنوب وشعبه الأبيّ في رفعة وعزة.
