​في قاموس السياسة والتاريخ، ثمة حقيقة ثابتة لا تقبل التأويل: “إرادة الشعوب هي المحرك الأول للتحولات الكبرى”. وعندما يقرر شعب ما رسم مساره وتحديد بوصلته نحو هدف مصيري، فإن أي محاولة للوقوف في وجه هذا الخيار، أو محاولة توجيهه نحو مسارات بديلة، تصبح أشبه بمن يمارس “السباحة عكس اتجاه التيار الجارف”؛ جهدٌ منهك، ومصيره المحتوم هو التلاشي أمام قوة الدفع الشعبية.

​اليوم، يقف شعب الجنوب العربي أمام مشهد سياسي وتاريخي بالغ الأهمية، مشهدٌ لم يأتِ وليد الصدفة، بل صاغته تضحيات جسام، وعمّدته ملايين الأصوات التي خرجت لتملأ الساحات والميادين في كل حَدَبٍ وصوب. إن هذا الخروج المليوني المتكرر، وهذا الإجماع الشعبي العارم نحو هدف “استعادة الدولة”، لم يعد مجرد مطالب عابرة أو شعارات سياسية مؤقتة، بل تحول إلى عقيدة سياسية وواقع اجتماعي متجذر على الأرض، يشكل اليوم “التيار الرئيسي” الذي لا يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه.

​إن القوة الحقيقية لخيار شعب الجنوب العربي لا تنبع فقط من عدالة قضيته وحجم التوافق حولها، بل تستند أيضاً إلى مرجعيات قانونية ودولية راسخة. فالمواثيق الأممية، وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة (المادة الأولى)، كفلت بوضوح لا لبس فيه “حق تقرير المصير للشعوب” كحق إنساني وسياسي غير قابل للتصرف. هذه القوانين الدولية لم تُوضع لقمع تطلعات المجتمعات، بل وُجدت لتكون إطاراً ينظم إرادتها ويمنحها الشرعية والأمان القانوني والأخلاقي أمام المجتمع الدولي.

​ومن هنا، يصبح من الضروري على كل القوى الإقليمية والدولية، وصناع القرار، قراءة المشهد بعين الواقعية السياسية. فالرهان على مشاريع أو تسويات لا تلبي التطلعات الحقيقية لشعب الجنوب، أو تحاول فرض حلول مجتزأة من الأعلى، هو رهان على سراب. إن التاريخ يعلمنا أن أي تسوية سياسية تفتقر إلى “الحاضنة الشعبية” هي تسوية ولدت ميتة، وأن محاولة إجبار الناس على مسار يرفضونه تتطلب وسائل ضغط مستمرة، وهو أمر مستحيل الديمومة والاستمرار على المدى الطويل.

​إن التيارات الشعبية العارمة، عندما تسندها آمال عريضة وتدعمها مواثيق قانونية دولية، هي التي تشكل في نهاية المطاف مجرى النهر وتصنع المستقبل. أما السباحة عكس اتجاه هذا التيار، فليست سوى تبديد للوقت والجهد، لأن حركة التاريخ تسير دائماً إلى الأمام، وإرادة الشعوب الحرة — في نهاية المطاف — هي التي تنتصر.