لم يعد خفياً أن المشهد السياسي والعسكري في اليمن يمر بمنعطف تاريخي دقيق تتسارع فيه وتيرة إعادة صياغة التحالفات الإقليمية والمحلية بما يواكب حجم التهديدات الوجودية التي تعصف بالمنطقة وفي هذا السياق جاء التقرير الأخير لصحيفة الغارديان البريطانية اليوم السبت 17 اكتوبر ليضيء على تفاصيل بالغة الأهمية تتعلق بالتفاهمات الجديدة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة بعد قطيعة دامة لاشهر وعودة الدعم المالي واللوجستي الاماراتي للتشكيلات العسكرية الفاعلة في الميدان وخصوصاً قوات العمالقة الجنوبية بالتوازي مع توفير غطاء جوي سعودي استراتيجي .
هذا التقارب الإقليمي المتجدد لا يمثل مجرد خطوة تكتيكية عابرة بل يعكس إدراكاً عميقاً لدى عواصم القرار في الخليج بأن خطر المليشيات الحوثية لا يقتصر على حدود اليمن الجنوبية أو السعودية فحسب بل يهدد منظومة الأمن القومي الخليجي برمته فضلاً عن أمن الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية فالواقع أثبت مراراً أن سياسة إدارة الأزمات بالمسكنات لم تعد تجدي نفعاً وأن مواجهة هذا المشروع التوسعي تتطلب جبهة صلبة متكاملة الأدوار قوامها الشراكة الحقيقية والثقة المتبادلة .
ولعل أبرز ما لفت انتباهي في تقرير الصحيفة البريطانية هو التطرق إلى القضية الجنوبية باعتبارها قضية محورية تخضع لإرادة أبناء الجنوب وحدهم وما رافق ذلك من طرح المجلس الانتقالي الجنوبي لمسار حلها عبر الاستفتاء الشعبي الجنوبي وإن لجوء الإعلام الغربي لمثل هذه الطروحات ينم عن وعي متزايد بحقيقة أن أي تسوية سياسية مستدامة في اليمن لا يمكن أن تُبنى على رمال متحركة أو بتخطي القوى الحية التي أثبتت جدارتها ومصداقيتها على الأرض .
لقد أثبتت التجارب الميدانية أن القوات الجنوبية والتشكيلات التابعة للمجلس الانتقالي كانت ولا تزال رأس الحربة الأصدق والأكثر صلابة في مواجهة المد الحوثي وتأمين المناطق المحررة وفي هذا الإطار فإن تحفظ هذه القوات على خوض معارك خارج حدود دولة الجنوب التاريخية يعكس التزاماً استراتيجياً بحماية قضيتها وهويتها غير أن الأفق المفتوح اليوم أمام التفاهمات المستقبلية يؤكد مرونة الموقف الجنوبي واستعداده للتعاطي مع أي ترتيبات تضمن أولاً وقبل كل شيء احترام تطلعات شعبه وحقّه المشروع في تقرير مصيره .
إن السعودية ومن خلال إعادة هندسة التحالفات وتصحيح بوصلة الدعم باتت تدرك بوضوح أن الحليف الصادق والحقيقي هو من يمتلك العقيدة القتالية والقبضة الميدانية الثابتة على الأرض ومن هنا فإن تكامل الجهود بين الغطاء الجوي السعودي والبسالة الميدانية لقوات العمالقة والتشكيلات الجنوبية يرسخ معادلة ردع جديدة قادرة على تغيير قواعد الإشتباك .
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل أنصاف الحلول فنجاح التفاهمات السعودية الإماراتية مرهون بالاعتراف الكامل بالحقوق الوطنية والسياسية لأبناء الجنوب وجعلهم شركاء فعليين في صناعة القرار ورسم معالم المستقبل إنها فرصة تاريخية سانحة لترسيخ مداميك الأمن الاستقرار الإقليمي وبناء سلام عادل ومستدام ينطلق من احترام الإرادة الشعبية على الأرض وقطع الطريق نهائياً أمام مشاريع الفوضى والوصاية .
