البحسني: الجنوب أمام استحقاق تاريخي.. من المليونيات إلى بناء الدولة وصناعة القرار

شبوة برس – خاص

أكد اللواء الركن فرج سالمين البحسني، نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، أن الجنوب يقف أمام مرحلة تاريخية تتطلب الانتقال من الزخم الجماهيري إلى البناء المؤسسي وصناعة القرار السياسي، مشدداً على أن المليونيات الشعبية، رغم أهميتها في إثبات الإرادة الوطنية، لا تتحول إلى مكاسب سياسية مستدامة ما لم تسندها مؤسسات قوية ورؤية استراتيجية واضحة وأدوات قانونية ودبلوماسية فاعلة.

وقال البحسني، في رؤية استراتيجية بعنوان «الجنوب أمام استحقاق التاريخ.. من قوة الإرادة الشعبية إلى بناء الدولة وصناعة القرار»، إن الحضور الجماهيري الواسع أكد تمسك شعب الجنوب بقضيته وحقه في تقرير مستقبله السياسي، وأثبت أن القضية الجنوبية ليست مطلباً عابراً أو موقفاً مرحلياً، بل قضية وطنية تستند إلى إرادة شعبية واضحة.

وأضاف أن المسؤولية التاريخية باتت تفرض على قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي الانتقال من إدارة الزخم الشعبي إلى صناعة القرار، ومن ردود الأفعال إلى المبادرات الاستراتيجية، ومن الحضور السياسي إلى العمل المؤسسي القادر على تحويل تطلعات الجنوبيين إلى مشروع سياسي وقانوني ودبلوماسي متكامل.

إصلاح مؤسسي ومحاسبة على الإنجاز

ودعا البحسني إلى مراجعة شاملة لهياكل المجلس الانتقالي وآليات عمله، ومعالجة ازدواجية الاختصاصات وأوجه القصور الإداري، واعتماد الكفاءة والخبرة والنزاهة أساساً لتولي المواقع القيادية، بعيداً عن المجاملات والاعتبارات الضيقة.

وشدد على أهمية استقطاب الكفاءات الجنوبية في المجالات السياسية والقانونية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية، وتمكين الشباب المؤهل من مواقع القيادة، وإنشاء منظومة للمتابعة والتقييم والمساءلة تربط أداء المؤسسات بمؤشرات إنجاز واضحة.

ويرى البحسني أن المشروع الوطني لا يمكن أن يعتمد على الأشخاص وحدهم، بل يحتاج إلى مؤسسات متماسكة تستمر في أداء مهامها وتضمن وحدة القرار ووضوح المسؤوليات.

مركز استراتيجي وملف قانوني للقضية الجنوبية

وفي الجانب البحثي، اقترح إنشاء مركز جنوبي للدراسات الاستراتيجية وصناعة السياسات، يتولى تحليل المتغيرات السياسية والعسكرية والاقتصادية، ودراسة مواقف القوى الإقليمية والدولية، وإعداد تقديرات موقف وسيناريوهات مستقبلية تساعد القيادة على اتخاذ قرارات تستند إلى المعلومات والخبرات المتخصصة.

كما دعا إلى تشكيل هيئة قانونية عليا تضم خبراء جنوبيين ودوليين لإعداد ملف تاريخي وقانوني موثق للقضية الجنوبية، ودراسة الأسس القانونية والسياسية لاستعادة الدولة وحق تقرير المصير، وتوثيق الانتهاكات، وإعداد تصورات دستورية وتشريعية تضمن سيادة القانون والمواطنة المتساوية والحريات العامة.

وأكد أن المرحلة تتطلب الانتقال من الخطاب السياسي العام إلى خطاب قانوني احترافي قادر على مخاطبة المؤسسات الدولية وتقديم الحجج الموثقة بشأن القضية الجنوبية.

دبلوماسية فاعلة وشراكات متوازنة

وفي ما يتعلق بالعلاقات الخارجية، شدد البحسني على ضرورة تطوير الدبلوماسية الجنوبية، وعدم الاكتفاء باللقاءات الرسمية والزيارات البروتوكولية، بل بناء عمل مستمر يستند إلى أهداف واضحة وملفات سياسية وقانونية واقتصادية احترافية.

واقترح إنشاء وحدة متخصصة للتخطيط الدبلوماسي والعلاقات الدولية، وتأهيل كوادر جنوبية قادرة على التفاوض والتواصل بلغات متعددة، وتوسيع العلاقات مع الحكومات والبرلمانات ومراكز الدراسات والمؤسسات الدولية، مع بناء شراكات إقليمية ودولية متوازنة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بعيداً عن الارتهان لطرف واحد.

كما دعا إلى توحيد الخطاب السياسي الخارجي وتجنب التصريحات المتناقضة التي قد تضعف الموقف التفاوضي الجنوبي.

وحدة الصف وشراكة حضرموت والمحافظات الجنوبية

وضع البحسني وحدة الصف الجنوبي في صدارة متطلبات النجاح، داعياً إلى تشكيل لجنة عليا للحوار والتوافق تتواصل مع مختلف القوى والمكونات والشخصيات السياسية والاجتماعية والقبلية، بما فيها الأطراف التي تختلف مع المجلس الانتقالي في بعض المواقف.

وأكد ضرورة تغليب المصلحة الوطنية على الخلافات الشخصية والحزبية والمناطقية، ورفض الإقصاء والتخوين، ومعالجة المظالم والتباينات بصورة عادلة، ووضع ميثاق شرف وطني يحفظ السلم الأهلي.

وشدد على أهمية منح حضرموت وبقية المحافظات الجنوبية شراكة عادلة في القرار والثروة والسلطة، واحترام خصوصياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، معتبراً أن الدولة العادلة يجب أن تقدم نموذجاً عملياً للشراكة قبل قيامها، وأن الجنوب القوي هو الذي يتسع لجميع أبنائه.

الأمن والخدمات أساس الاستقرار

وفي الملفين العسكري والأمني، دعا البحسني إلى تطوير التنسيق بين التشكيلات العسكرية والأمنية، ورفع كفاءة التدريب والانضباط، وحماية المنشآت الحيوية والموانئ والمطارات والمرافق الاقتصادية، وتعزيز إدارة الأزمات وحماية المدنيين واحترام القانون.

وأكد أهمية تجنب الصراعات الداخلية والمواجهات التي تستنزف القوات ولا تخدم أمن الجنوب واستقراره.

أما اقتصادياً وخدمياً، فشدد على أن معاناة المواطنين من انقطاع الكهرباء وتدهور الخدمات وتأخر الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة تتطلب حلولاً عملية، تشمل تحسين خدمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وإصلاح المؤسسات المالية والإدارية، ومكافحة الفساد، وتشجيع الاستثمار وتنمية الموارد المحلية وتوفير فرص العمل، وضمان عدالة توزيع المشاريع بين المحافظات.

رؤية واضحة للدولة وخارطة طريق خلال عام

ودعا البحسني إلى إعداد وثيقة وطنية بعنوان «رؤية الجنوب لبناء دولة المؤسسات والقانون»، تحدد شكل الدولة ونظام الحكم وتوزيع السلطات، وضمانات الحقوق والحريات، واستقلال القضاء، واللامركزية الإدارية والمالية، وعدالة توزيع الثروات، والسياسات الاقتصادية والعلاقات الخارجية، والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة، والمسارات السلمية التي تتيح للشعب التعبير عن إرادته وتقرير مستقبله.

وحدد للرؤية مساراً تنفيذياً يبدأ خلال 30 يوماً بتشكيل فريق وطني تنفيذي ومراجعة الهياكل المؤسسية وحصر الكفاءات الجنوبية، ثم الانتقال خلال 90 يوماً إلى إطلاق مركز الدراسات وإعداد الملف القانوني وبدء الحوار الجنوبي. وخلال 180 يوماً، يستهدف تطوير الهياكل وإعداد المسودة الأولى لرؤية الدولة وتوسيع التواصل الإقليمي والدولي، على أن يجري تقييم استراتيجي شامل خلال عام.

وأكد أن نجاح هذه الخارطة يتطلب إرادة سياسية، ووحدة في القرار، وتقديم الكفاءة على الولاء الشخصي، والشفافية والمساءلة، وتوحيد الموارد، والتواصل المستمر مع الشعب.

وترى شبوة برس أن أبرز ما في رؤية البحسني هو نقل القضية الجنوبية من مرحلة إثبات الحضور الشعبي إلى مرحلة بناء أدوات الدولة، وربط استعادة دولة الجنوب العربي بمؤسسات فاعلة وملف قانوني متماسك ودبلوماسية مؤثرة وشراكة وطنية عادلة، مع إعطاء حضرموت وبقية المحافظات مكانتها في القرار والثروة والسلطة.

فالمليونيات تمنح المشروع الوطني زخمه الشعبي، لكن تحويل هذا الزخم إلى مكاسب سياسية مستدامة يتطلب برنامجاً تنفيذياً واضحاً ومحاسبة على النتائج وتحسيناً ملموساً لحياة المواطنين. ويبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذه المقترحات إلى قرارات ومؤسسات تعمل وفق جداول زمنية ومسؤوليات محددة، بما يعزز ثقة الشعب ويهيئ الجنوب لاستحقاقاته السياسية المقبلة.

واختتم البحسني رؤيته بالتأكيد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قرارات شجاعة وإصلاحات مؤسسية وعمل منظم، قائلاً إن المطلوب هو الانتقال من الحشود إلى المؤسسات، ومن إدارة الأحداث إلى صناعة المبادرات، ومن المطالبة بالمستقبل إلى الاستعداد المسؤول لبنائه.

اللواء الركن فرج سالمين البحسني
نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي

اختصر المقال مع الحفاظ على محاورهاجعل العنوان أكثر قوة وجاذبية