دولة في زمن الملاريا

في هذا البلد، لم تعد الملاريا مجرد بعوضة تحمل المرض، بل تحولت إلى نظام حكم كامل.بعوضة تلسع المواطن في دمه، بينما المسؤولون منشغلون بعدّ الولاءات، وتقسيم النفوذ، ورفع تقارير الطاعة لمن يهمه الأمر.الناس هنا لا يموتون لأن الطب عاجز، بل لأن الدولة نفسها مصابة بفقر الدم الوطني.بلد كامل ترتجف أطرافه من الحمى، بينما حكامه يتجادلون…

جمهورية تبديل اللوحات

في بلدٍ تتكاثر فيه الحفر أكثر من إشارات المرور، وتختفي فيه هيبة القانون عند أول نقطة جباية، لم تجد الجهات المعنية ما يشغلها سوى، اللوحات المعدنية للسيارات.نعم، اللوحات!ذلك “الإنجاز العظيم” الذي يبدو أن الدولة تعتقد بأنه المفتاح السحري للعبور نحو الحداثة، وكأن المواطن الذي يطارد الغاز والكهرباء والراتب المنهك، كان ينتظر فقط تغيير رقم سيارته…

هموم بحجم أسطوانة غاز، وحلم ينتظر الإنصاف.

في هذه البلاد، لم يعد الناس يتشابهون في شيء… إلا في الانتظار.أنا — مثلًا — أحمل همًّا وطنيًا كبيرًا بحجم أسطوانة غاز منزلي فارغة، أتأملها كل صباح كما يتأمل القائد العسكري خريطة المعركة، وأتعامل معها باعتبارها “ملفًا سياديًا” يحتاج إلى مفاوضات، ووساطات، وربما قرارًا أمميًا تحت الفصل السابع.بينما صديقي “العمري” يعيش مأساة من نوع آخر,…

مواقف للإيجار، وضمائر للبيع

في هذا الزمن المزدحم بالتحولات، لم تعد المواقف تُقاس بثباتها على المبدأ، بل بسرعة تبدّلها، ولا بالكلمات التي تُقال على منصات الظهور، بل بالجهة التي تُقال لأجلها.أرثي لحال بعض إخوتنا في الله، لا لأنهم أخطأوا الطريق، بل لأنهم اختاروا أن يسيروا فيه وهم يدركون أنه أقصر الطرق إلى الجيب، لا إلى الحقيقة. أولئك الذين يكتبون…

الجوف… سقوط الجغرافيا وانكشاف الإستراتيجية

لم يكن ما حدث في الجوف مجرد خسارة جغرافية تُضاف إلى سجل المعارك، بل خلل أعمق في بنية التقدير السياسي والعسكري لدى الرياض. ولحظة كاشفة لطريقة قراءة المشهد وإدارته. فالجوف، بحكم موقعها، لم تكن مجرد محافظة حدودية، بل عقدة استراتيجية تمثل عمقًا حيويًا وخط تماس حساس بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى لتثبيت حضور الدولة، وآخر…

بين فتوى “وحدة الأديان” وخطاب “وحدة الأوطان”

في زمنٍ صار فيه النص الديني أشبه بـ“أداة متعددة الاستخدام”، يمكن أن يُستدعى لتكفير فكرة هنا، وتبرير مشروع هناك، لم يعد التناقض مفاجئًا، بل صار هو القاعدة، وما عداه استثناء يحتاج إلى فتوى تشرح لماذا لا يتناقض مع نفسه.مؤخرًا، أعادت اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية تأكيد موقفها الصارم من فكرة “وحدة الأديان”، ووصفتها بأنها دعوة…

“الكازمية” من رسالة التعيين إلى طموح التمكين

الزميلة هدى خالد الكازمي ليست مجرد اسم مرّ في سجل الوظيفة العامة، بل تجربة إدارية وإعلامية تستحق أن تُروى بوصفها نموذجًا للمرأة التي حملت مسؤوليتها بثقة، ومضت بها في زمنٍ لا يُجامل أحدًا.منذ أن تولّت إدارة مكتب إعلام العاصمة عدن، كانت تدرك أن المهمة ليست سهلة، وأن الطريق محفوف بتحديات معقدة، في مدينة تتقاطع فيها…

الدولة التي نريدها

هناك سؤال بسيط في ظاهره، لكنه عميق في معناه: كيف يمكن أن تُبنى دولة على أساس الانتقام؟الدولة، في جوهرها، مشروع استقرار، بينما الانتقام مشروع اضطراب دائم. الدولة تنظر إلى المستقبل، أما الثأر فيظل أسير الماضي، يقتات على جراحه ويعيد إنتاجها في كل مرحلة.ما نراه اليوم في بعض الخطابات التي تتحدث باسم الدولة المدنية يطرح مفارقة…

عيد بلا أجوبة

​في اليوم الأخير من رمضان، حين تبدأ الروح تميل إلى الوداع، وتستعد القلوب لاستقبال العيد بشيء من الفرح وكثير من الترقب، يكتشف المواطن البسيط أن فرحته مؤجلة، إلى أن يقضي الله فيها أمرا كان مفعولا.رمضان الذي يفترض أن يُختم بالدعاء، يُختم هنا بحسابات مرهقة: كم تبقى من الراتب؟ وكم بقي من القدرة على الصبر؟ وبين…

عدن بين طفح البيارات وأزمة الغاز

عندما تتحول المعاناة إلى نمط حياةفي مدينةٍ أنهكتها الأزمات، لم يعد المواطن في عدن يسأل عن الرفاهية أو حتى عن تحسين مستوى الخدمات، بل بات أقصى طموحه أن يعيش يومًا عاديًا بلا أزمة جديدة. غير أن الواقع يبدو مصممًا على مفاجأته كل صباح بملفٍ جديد يضاف إلى قائمة المعاناة الطويلة.خلال الشهر الكريم تحديدا، تصدّر طفح…