في غمار التحولات المتسارعة بالساحة الجنوبية، يبرز تساؤل مهم طرحه المحلل السياسي الغربي توفيق جازوليت:
هل كان لزاماً على المجلس الانتقالي تأسيس مركز للدراسات الاستراتيجية؟
والإجابة القاطعة هي نعم.. لم يكن المركز ترفاً فكرياً بل ضرورة وجودية وثغرة هيكلية كلّفت المجلس عثراتٍ كان يمكن تفاديها لو امتلك “عقلاً استراتيجياً” ينظم حركته.
تكمن أهمية المركز في كونه الجسر الذي ينقل القرار من عشوائية “ردود الأفعال” إلى رحابة “الفعل الاستباقي” المدروس.
إن غياب التحليل العلمي جعل المواقف في محطات كثيرة رهينة التقديرات الآنية والاندفاع العاطفي مما فوت فرصاً سياسية ثمينة، وأوقع المجلس في مطبات التنازلات والشراكات غير المتكافئة نتيجة سوء تقدير موازين القوى الإقليمية والدولية.
لو أن الانتقالي أنشأ مركزاً رصيناً لتمكن من قراءة الخارطة الجيوسياسية لخليج عدن وباب المندب وحضرموت “بعيون تخصصية” ، وفكك شبكة المصالح الاقليمية والدولية بدقة.
هذا المركز كان سيقدم للقيادة تقارير تقدير موقف دورية تحدد الخطوط الحمراء للقوى الفاعلة، وترسم سيناريوهات بديلة للملفات الشائكة كالملف الاقتصادي والخدمي.
كما سيشكل وعاءً لاستقطاب الكفاءات الأكاديمية الجنوبية لصياغة خطاب رصين يخاطب المجتمع الدولي بلغة المنطق والمصالح.
إن إنشاء مركز دراسات استراتيجية ضرورة آنية يجب ألا تهمل ،ولا زال في الوقت متسع.
آلية تفعيل مركز دراسات جنوبي ناجح:
لتفادي الأخطاء السابقة يجب أن تستند آلية تفعيل المركز إلى ركائز مؤسسية صارمة كما يراها جازوليت :
– الاستقلالية المالية والإدارية: فصله عن التجاذبات الحزبية لتقديم تقارير نقدية موضوعية تعكس الواقع دون تجميل.
– الكفاءة العابرة للمكونات: الاعتماد التام على معيار الخبرة البحثية للأكاديميين في الداخل والمهجر بعيداً عن المحسوبية.
– الوحدات النوعية: تقسيم المركز لتخصصات تشمل العلاقات الدولية، الدراسات الاقتصادية، الأمن البحري، وبحوث الرأي العام.
– الشراكة والتوأمة: بناء توأمة مع مراكز أبحاث عربية وعالمية لنشر أوراق سياسات مترجمة تخاطب صانع القرار الغربي.
– صناعة القرار: إلزام الهيئات العليا بالاطلاع على تقارير المركز قبل اتخاذ القرارات المصيرية أو خوض المفاوضات.
إن تجارب التاريخ تؤكد أن السلاح يحمي الأرض لكن الفكر الاستراتيجي هو من يصون المكتسبات ويصنع الدول.. غياب هذا العقل البحثي جعل المجلس يواجه خصومه بجهد عسكري جبار يقابله ضعف في المناورة الدبلوماسية.
الإخفاقات لم تكن لنقص في التضحيات بل لغياب التخطيط.. وهو ما يثبت صحة رؤية جازوليت في أن مركز الدراسات كان ولا يزال طوق النجاة للانتقال نحو العمل المؤسسي المنظم المحصن ضد العثرات.
