شبوة برس – خاص
رصدت شبوة برس مقال المفكر والإعلامي الإماراتي د. سليمان الهتلان، المنشور في صحيفة الاتحاد الإماراتية، والذي يطرح سؤالاً شديد الحساسية: لماذا تأخر الإصلاح الديني في عالمنا العربي، رغم أن الحديث عنه مستمر منذ عقود؟
الهتلان يرى أن الإصلاح الديني لا يمكن اختزاله في تغيير خطبة أو استبدال واعظ أو تعديل كتاب مدرسي، لأن جوهر المشكلة أعمق من ذلك بكثير. البداية الحقيقية، بحسب طرحه، تكون بالاعتراف بحق الإنسان في السؤال والمراجعة، وبأن تفسير النص الديني عمل بشري قابل للنقاش والاجتهاد، وليس سلطة مغلقة فوق النقد.
ويستحضر الكاتب التجربة الأوروبية، موضحاً أن الصراع التاريخي لم يكن مجرد خلاف ديني، بل كان صراعاً على السلطة وحق تفسير النص المقدس. ومع مرور القرون، دفعت أوروبا ثمناً باهظاً من الحروب والاضطهاد قبل أن تتبلور علاقة مختلفة بين الدين والدولة، تقوم على التعايش مع تعدد المذاهب والمعتقدات.
لكن الهتلان يحذر من إسقاط التجربة الأوروبية بصورة حرفية على العالم الإسلامي، فالإسلام لا يملك مؤسسة دينية مركزية مماثلة للكنيسة الأوروبية في القرن السادس عشر، والسلطة الدينية في العالم العربي والإسلامي موزعة بين دول ومذاهب وتيارات متعددة. ولذلك فإن الإصلاح المطلوب ليس استنساخاً لتجربة الآخرين، وإنما بحث عن طريق عربي خاص.
ويضع الكاتب السؤال الأكثر أهمية أمام المجتمعات العربية: أين تنتهي سلطة الدين وأين تبدأ سلطة الدولة؟
فصل الدين عن السلطة السياسية، وفق الرؤية التي يعرضها الهتلان، لا يعني إخراج الدين من المجتمع ولا مطالبة الناس بالتخلي عن إيمانهم، وإنما يعني منع الدولة من التحول إلى أداة لفرض تفسير ديني واحد على الجميع، وضمان المساواة في الحقوق بعيداً عن المذهب أو درجة التدين.
ويرى الهتلان أن الخطر يبدأ عندما يتحول الدين إلى وسيلة للصراع السياسي، إذ تصبح الخلافات السياسية صراعات مقدسة، ويتحول المعارض السياسي إلى خصم للدين نفسه. وهنا تكمن واحدة من أخطر نتائج توظيف الإسلام في المنافسة الحزبية: إذا ادعى حزب ما أنه يمثل الإسلام، فهل يصبح خصومه خصوماً للإسلام؟
هذه المعادلة، بحسب الكاتب، تفتح الباب أمام احتكار سياسي للدين، وتحول الخلاف السياسي الطبيعي إلى اتهامات دينية خطيرة، وهو ما عمّق الانقسامات في تجارب عربية متعددة بدلاً من أن يحقق الوعود المعلنة بالأخلاق والعدالة.
شبوة برس يرى أن أهمية طرح الهتلان تكمن في إعادة النقاش إلى جذره الحقيقي: الإصلاح الديني ليس معركة ضد الإيمان، وإنما معركة ضد احتكار تفسيره واستخدامه وسيلة للهيمنة السياسية. فالدين حين يبقى مجالاً للضمير والقيم والأخلاق يمكن أن يكون عاملاً في بناء المجتمع، أما حين يتحول إلى بطاقة سياسية تمنح فريقاً حقاً مقدساً في السلطة، فإن السياسة نفسها تصبح فوق النقد والمساءلة.
ويخلص الهتلان إلى أن العالم العربي يمتلك اليوم فرصة تاريخية للاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى دون انتظار قرون من الحروب والصراعات. والمطلوب، في نظره، شجاعة البدء بإصلاح ديني عربي خاص، يقوم على حرية السؤال، واحترام الاختلاف، والفصل بين الإيمان الشخصي واستخدام الدين أداة للسيطرة على الآخرين.
السؤال إذن لم يعد: هل نحتاج إلى إصلاح ديني؟ بل: متى نمتلك الشجاعة لبدئه؟
