*- شبوة برس – خاص
ردًا على ما طرحه السياسي والإعلامي الجنوبي العربي أوسان بن سدة، يرى شبوة برس أن اختزال موقف مشروع الجنوب العربي من تعز في «السذاجة» قراءة مبتورة للتاريخ، تتجاهل التحولات التي صنعت الموقف الجنوبي لاحقًا.

في البدايات لم تكن تعز خصمًا للجنوب العربي، بل كان بين رجالات المشروع الجنوبي وشخصيات من تعز تواصل سياسي وفكري واضح. لكن الكارثة بدأت حين تحولت التجربة اليسارية في الجنوب إلى مشروع أيديولوجي مراهق، ضحّى باستقلال القرار الوطني الجنوبي لحساب أوهام الوحدة وإعادة تشكيل صنعاء.

لقد فتحت تلك التجربة أبواب عدن أمام نخب وكوادر يمنية، وسمحت بتغلغلها في مؤسسات الدولة وصناعة القرار، ثم اندفعت إلى صنعاء وهي تتوهم أنها ستعيد تشكيلها، فإذا بصنعاء تعيد تشكيلها وتبتلع مشروعها.

أما العبارة التي نقلها المؤرخ الراحل محمد أحمد البيضاني: «أتونا بعمامة الإمام وكرفتة ماركس»، فتختصر مأساة مرحلة كاملة؛ إذ تغيرت الشعارات والواجهات، بينما بقي مشروع ابتلاع الجنوب حاضرًا.

لقد كانت تجربة اليسار في الجنوب من أكثر التجارب السياسية مأساوية؛ إذ تحولت الأيديولوجيا إلى بديل عن العقل السياسي، وتحولت الشعارات الثورية إلى غطاء لسياسات أضعفت الدولة الجنوبية ومكّنت خصومها، ثم انتهت بقياداتها إلى صنعاء وهي تحمل أوهام القدرة على تغييرها، قبل أن تنكشف أمامها حقيقة موازين القوة.

والمفارقة الأكثر قسوة أن اليسار الجنوبي والشمالي اندفعا معًا نحو صنعاء، وكل طرف يعتقد أنه قادر على توظيف الآخر، فإذا بالمشروع كله ينتهي إلى نتيجة كارثية، وكانت دولة الجنوب وشعبها أبرز من دفع الثمن.

ومن هنا لا يمكن قراءة الحساسية الجنوبية تجاه تعز اليوم بمعزل عن تلك التجربة؛ فقد تشكلت بعد 1967 ذاكرة جنوبية مثقلة بمشاركة نخب يمنية، بينها شخصيات من تعز، في مؤسسات الدولة وصناعة القرار في عدن، ثم جاءت حرب 1994 لتكشف حجم الهوة بين من استفاد من تجربة الجنوب وبين من وقف مع مشروع اجتياحه وإسقاط دولته.

وزاد الأمر تعقيدًا خلال العقود التالية مع صعود نفوذ حزب الإصلاح والقوى السياسية المرتبطة به، وما رافق ذلك من خصومة سياسية وعسكرية مع المشروع الجنوبي.

إن مأساة الجنوب ليست في أنه أخطأ حين عرف تعز، بل في أن قيادات يسارية مراهقة أساءت تقدير اليمنيين، وأساءت تقدير صنعاء، وأساءت تقدير موازين القوة، والأخطر أنها أساءت تقدير الجنوب نفسه، فدفعت به إلى مغامرة سياسية انتهت بكارثة تاريخية.

ولهذا فإن قراءة موقف الجنوب من تعز تحتاج إلى قراءة ما حدث بعد 1967، لا العودة فقط إلى أدبيات الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، لأن الذاكرة السياسية لا تتشكل من البدايات وحدها، وإنما مما فعلته النخب لاحقًا بالجنوب وبمصالحه وبقراره الوطني.

أوسان بن سدة
سياسي وإعلامي من الجنوب العربي