*- شبوة برس – خاص
1- عندما يضطرون للاعتراف بأشعرية أحد أئمة السنة كالبيهقي أو النووي أو ابن حجر، أو بادّعاء اضطرابه في المعتقد ، يعتذرون لذلك بأنه تأثّر ببيئته وبغلبة الأشعرية على الوسط العلمي في زمنه .
فإذا قيل لهم : إن الأشعرية هم غالب العلماء ، عارضوا ذلك ونازعوا فيه . دون أن يشعروا بتناقضهم ، إذا أحسنا بهم الظن ، بسبب فساد عقولهم ، وإما مكابرة وعنادّا وإصرارا على الباطل لتحصيل مكاسب الدنيا .
2- عندما يقال لهم إن : تكفيركم بدعوى شيوع شرك العبادة لم يسبقكم إليه أحد من علماء المسلمين على مر القرون ، وتنزيل أحكام المرتدين على المسلمين باستباحة الدماء والأموال والأعراض . يزعمون أنهم مسبوقون من علماء المذاهب جميعًا ، وألفوا في ذلك رسائل جامعية لنيل الدكتوراه وغيرها ، مثل كتاب (جهود علماء الحنفية في إبطال عقائد القبورية) للأفغاني ، وكتاب (تقرير توحيد العبادة من خلال أقوال المالكية) للعرفج ، و(جهود أئمة الشافعية في تقرير توحيد العبادة ) للعنقري . ويملؤون هذه الكتب من النقل عن أئمة الأشعرية والماتريدية من علماء المذهب الحنفي والمالكي والشافعي .
ثم في باب آخر : يحكون عن المتكلمين من الأشعرية والماتريدية أنهم ما عرفوا توحيد العبادة ، وأنهم ما عرفوا من التوحيد إلا ما عرفه مشركو العرب (وهو توحيد الربوبية)؛ إذا ما سلموا من البدع فيه أيضًا !
فصار علماء الأشعرية والماتريدية علماء بالتوحيد على طريقتهم بزعمهم ، عندما يردون على من نسبهم إلى الابتداع في باب التكفير . وهم أنفسهم جهلة بتوحيد العبادة في الوقت نفسه .
بل فخر الدين الرازي نفسه ينقلون عنه أقولا يزعمون أنه يقر توحيد العبادة كتقريرهم ، وهو نفسه عندهم ما عرف إلا توحيد الربوبية !
3- ويزعمون ذم علم الكلام مطلقا ، وينقلون في ذمه عبارات للسلف من أئمة أتباع التابعين فمن بعدهم ، وأنهم لا يتكلمون في العقائد إلا بالكتاب والسنة وآثار السلف.
وما أكثر ما خاضوا في علم الكلام بالأدلة العقلية ، منذ الدارمي في كتابيه ، إلى ابن تيمية ، إلى المعاصرين في كتبهم ورسائلهم العلمية وردودهم على ملاحدة واللادينين.
فصار علم الكلام عندهم كالشعير (مأكول ومذموم)، لا هم تركوه حيث ذموه ، ولا هم قبلوه حيث استعملوه (اضطرارا).
4- يزعمون أنهم منهيون عن جدال أهل البدع ، ويروون في ذلك آثارا عن السلف .
وها هم يملؤون الفضاء بالمناظرات السفسطائية مع من ينسبونهم للبدع .
5- يزعمون أن الأشعرية والماتريدية إنما نشأت بسبب الجهل بالسنة وما عليه السلف ، حتى الإمام أبو الحسن الأشعري نسبوا إليه أنه عندما اقترب من السنة ، وخالفها (بزعمهم) إنما وقع في خلافها جهلا منه بالسنة .
ثم يعترفون أن عامة أئمة السنة المتأخرين منذ البيهقي إلى ابن عساكر إلى النووي ، إلى ابن الصلاح ، إلى ابن حجر ، إلى السيوطي ، كانوا أشعرية ، أو كانوا متأثرين بالأشعرية (إذا أرادوا الكذب في توصيف واقعهم).
فكيف يُمكن أن يُنسب هؤلاء وهم أكابر أئمة السنة ، وعامة مصنفاتهم وجهودهم في خدمة السنة : بأن أشعريتهم ناشئة عن الجهل بالسنة ، وهؤلاء الذين يصفونهم بذلك هم الجهلاء بالسنة بالموازنة مع أولئك الأئمة .
6- ينتقدون الفلسفة وعلم المنطق ، ويحذرون منهما تحذيرا مطلقا ، ويقررون في جامعاتهم مواد جامعية في (نقد الفلسفة) و(نقد علم المنطق)، قبل أن يدرس الطلاب (الفلسفة) و(المنطق) في مشهد مضحك صارخ في البعد عن الموضوعية والدرس العلمي المحترم ، الذي لا يجيز الحكم على الشيء قبل تصوره .
وليس هذا هو موضع التناقض هنا ، وإنما موضعه : أنهم يفرحون بوصف ابن تيمية بأنه فيلسوف ، وبالدراسات الاستشراقية التي مجّدته بذلك ، وأنه أتى بفلسفة إسلامية ناقض بها فلسفة اليونان ، وأنه درس الفلسفة حتى صار أعلم بها من أهلها !
فلا يدري المسلم بعد ذلك : هل يتفلسف ؟ أم يسفسط ؟ أم يدع العلوم العقلية والمناهج الفلسفية ؟
7- يذمون الصوفية ذما مطلقا ، متقدمهم ومتأخرهم ، ولا يرتضون وصف الزهاد به ، ويحذرون من كل كتبه ، حتى كتبه الملتزمة بالشرع ، حتى بلغ ببعض مشهوريهم لذم كتاب (منازل السائرين) للهروي ، وشرحه (مدارج السالكين) لابن قيم الجوزية .
في حين أنهم ينقلون عن ابن تيمية دفاعه عن الصوفية المحقين ، وثنائه الكبير عليهم ، وخوضه هو في أعمال القلوب .
في فصام تام بين ذلك الذم المطلق العام ، وحكايتهم ذلك الثناء والدفاع والموافقة من ابن تيمية للصوفية الملتزمين بالشرع .
8- يفرحون بردود المخالف لهم ما دام يرد على مخالفٍ لهم ، حتى لو كان الرادُّ أشدَّ خلافا لهم وأبعدَ من المردود عليه ، وذلك عندما يكونون عارفين بقوة المردود عليه ، وعند افتقارهم إلى من يساندهم في خصومتهم له . فيفرحون بردود ابن رشد الفيلسوف على الإمام الغزالي ، مع أن ابن رشد ينتصر للفلسفة على الأشعرية . حتى إنه لتسربت إلى كثير منهم بعض مقالات الفلاسفة (كقدم العالم).
مع أنهم كان يجب أن يفرحوا بردود الأقرب على الأبعد ، وينتصرون لها ، بدلا من هذا الموقف المتخاذل .
فلا يدري المسلم : هل هم مع الأقرب للسنة بزعمهم ، أم مع الأبعد عن الإسلام عندهم ؟ أم لكل ساحة عندهم لبوس ؟ فإذا كنت في حرب مع الأشعرية انتصرت بكل شيء عليهم ، ولا بالشيطان ؟! وإذا كنت في حرب مع الفلاسفة انتصرت بالمعتزلة وبالأشعرية عليهم ؟
ويفرحون بردود أبي إسماعيل الهروي وتكفيره للأشعرية ، مع أن أبا إسماعيل الهروي صوفي كبير ، وله عبارات تدل على القول بالحلول ، حتى قال ابن تيمية : «وقد وقع طائفة من الصوفية – حتى صاحب ” منازل السائرين ” في توحيده المذكور في آخر المنازل – في مثل هذا الحلول؛ ولهذا كان أئمة القوم يحذرون عن مثل هذا»، وانتقده ابن تيمية في مواضع عديدة .
فجاء أتباع السلفية المعاصرة وادعوا أنه يقول بوحدة الشهود لا بوحدة الوجود ، لمجرّد أنه كان من أشد الناس على الأشعرية وعلى علم الكلام ، فهو مصنف (ذم الكلام).
مع أنهم لو أنصفوا لعلموا أن الأشعرية – مهما خالفوهم وبدعوهم – خيرٌ من قائل بالحلول ، وأن التأول والإعذار لهم أولى من التأول والإعذار له ، لولا البغي والجهل.
وهنا تناقضات أخرى ، لا يتسع المجال لذكرها .

✍🏻 الشيخ الشريف حاتم العوني
*- أستاذًا لقسم الكتاب والسنة في كلية الدعوة وأصول الدين بـجامعة أم القرى
*- عضو مجلس الشورى السعودي