تواجه الأزمة اليمنية انسداداً سياسياً وإنسانياً وعسكرياً غير مسبوق في ظل تحولات ميدانية متسارعة فرضت معادلات استراتيجية جديدة بالكامل على الصعيدين الإقليمي والدولي. إن تحول جماعة الحوثي إلى قوة عسكرية مؤثرة، وفرض سيطرتها الكاملة على طول الساحل الغربي ومضيق باب المندب الحيوي، جعل من الحديث التقليدي حول “استعادة مؤسسات الدولة” بالأساليب السابقة مجرد تكرار يفتقر للواقعية والموضوعية، في ظل عجز ملموس للشرعية عن تقديم نموذج حكم فاعل ومستقر برعاية القوى الفاعلة والمؤثرة. وأمام هذا المأزق التاريخي الصعب، تبرز اليوم أربعة سيناريوهات أساسية تتنازع المقاربات السياسية للخلاص من هذه الحرب المدمرة وتفكيك شفراتها الشائكة:

أولاً – استراتيجية الاحتواء والحصر الجغرافي: يرتكز هذا الخيار على عزل الحوثيين جغرافياً واقتصادياً في مناطق سيطرتهم الحالية لحماية المحافظات النفطية. ومع ذلك فإن هذا السيناريو يكرس تقسيماً واقعياً فرضه الحوثي على البلاد لكن دون نزع فتيل التهديد المستمر لحرية الملاحة الدولية ومحيطها الإقليمي الحيوي العام.

ثانياً – منح الاستقلال الكامل للجنوب وبناء دولته: يرى أنصار هذا التوجه أن تمكين أبناء الجنوب من إستعادة دولتهم ودعمهم وتوفير نموذج حكم ناجح ومستقر في الجنوب، سيحمي الممر الدولي “باب المندب” وسيشكل قوة جاذبة تضغط شعبياً وقبلياً لتغيير النهج في الشمال. لكن هذا المسار يصطدم بتعقيدات التوافق الداخلي والمخاوف الدولية والاقليمية من تفكك الدولة رسمياً إلى كيانات متعددة الأقطاب والولاءات المتصارعة.

ثالثاً – الخيار العسكري البري الشامل والحاسم: يفترض هذا السيناريو ضرورة قيام السعودية وحلفائها بالتعاون مع القوى المحلية، بشن حرب برية حاسمة لكسر القوة العسكرية للمليشيات. بيد أن الكلفة البشرية والمالية الباهظة للغاية، والتعقيدات الجغرافية الجبلية، والتوجه الإقليمي الحالي الرامي لتصفير الأزمات والتركيز على التنمية الشاملة، يجعل هذا الخيار مستبعداً تماماً في المدى المنظور الحالي.

رابعاً – المفاوضات المباشرة والتسوية الشاملة: ينطلق هذا الطرح من ضرورة الاعتراف بسلطة الأمر الواقع والدخول في اتصالات مباشرة مع الحوثيين لإيقاف النزيف البشري وإنهاء الصراع. لكن هذا الخيار يواجه انتقادات حادة كونه يمنح شرعية للمليشيات وسلطة السلاح والانقلاب ويقصي القوى السياسية الأخرى، مما يهدد بتحويل اليمن كاملاً إلى قاعدة نفوذ إقليمية مهددة لأمن الجوار المستدام.

إن التعويل على ما يسمى “الشرعية” الحالية، في تغيير الوضع القائم في مناطق نفوذ الحوثي أمر مستبعد. ويتضح من هذا أن استمرار الدوران في حلقة مفرغة دون تبني أحد هذه الخيارات او إيجاد خيار آخر بجرأة سياسية يحول الصراع الحالي إلى حرب استنزاف عبثية ومستمرة.
إن الشعوب المتضررة تتطلع اليوم إلى سلام حقيقي ينهي المعاناة، وهو ما يتطلب مغادرة مربع الركود والاعتراف بحقائق الأرض لصياغة رؤية واقعية تضمن الاستقرار الإقليمي والدولي وتنهي هذه المأساة الممتدة.