انتبه انت في اليمن! البلد الوحيد في العالم الذي يمتلك مخزوناً استراتيجياً من “الرؤساء” والملهمين يفوق مخزونه من القمح والكهرباء والمياه الصالحة للشرب.

 هنا، بمجرد أن تقترب مناسبة وطنية يهرع الجميع إلى الميكروفونات، وتتحول الشاشات إلى منصات استعراضية، حيث يبدأ السباق المحموم لنيل شرف “توجيه الخطاب الأول إلى الشعب اليمني العظيم”، ولسان حالهم يقول:

—(﴿ أيها الشعب اليمني العظيم ﴾)—.

دعونا نتأمل أبطال هذه الجوقة السريالية في المناسبة الحالية:

يأتي الخطاب الأول من فنادق الرياض حيث “فخامة الرئيس السياحي” ﴿المغترب دولياً﴾ آسف المعترف به، والمنبوذ خدمياً. يرتدي بدلة أنيقة خالية من غبار المعارك، ليخطب بمناسبة ٢٦ سبتمبر يدعو “للنفير والتحرير”، وهو الفاسد العاجز الذي لا تملك حكومته دفع رواتب الموظفين، في مفارقة تبكيك من شدة الضحك.

وفي صنعاء يطل “ممثل السيد الطبقي” من كهوف الخرافة وسلطة الأمر الواقع بمناسبة ذات الذكرى. انقلابي سلالي يرى اليمن إقطاعية خاصة منحها له الحق الإلهي. يخطب بلهجة الواعظ المستعلي عن الكرامة، بينما يرزح الناس تحت الجوع والجبايات، وكأن المجاعة هي أرقى إنجازات مسيرته الضيقة.

ثم تأتي “سيدة الاستثمار الثوري” من شاشات المهجر في إسطنبول لتلقي كلمتها السبتمبرية. حائزة على نوبل بفلوس قطر، تمارس العهر السياسي بأقبح صوره، نصبت على دماء شباب مايسمى “ثورة فبراير” لتبني إمبراطوريتها الإستثمارية والإعلامية الخاصة. تطل بلا حياء لتعطي دروساً في الجمهورية من شقتها الدافئة الفخمة في اسطنبول ،مستثمرةً تضحيات جيلٍ كامل.

وقبل أن تكتمل الكوميديا، يخرج “القائد الفار” من إقامته الجبرية المخملية في أبوظبي ليدلي بدلوه في أعياد الثورة. يتباكى على الوطن ويقدم نفسه منقذاً، متناسياً أنه السفير السابق الذي هرب من المواجهة وترك أباه يلقى حتفه بطريقة مأساوية في صنعاء دون أن يحرك ساكناً.

ثم يطل من شقة أخرى في اسطنبول مليونير آخر “يسمى شيخ المقاومة” عبر شاشات الغربة ومن جناحه الراقي ليدلي بدلوه السبتمبري. مخاطباً :﴿ياشعبنا اليمني العزيز﴾! بعد أن نصب نفسه قائداً للمقاومة زوراً، يتاجر بمعاناة تعز المحاصرة ليبني إمبراطوريته الاستثمارية.

أما المفارقة الأكبر فهي أن هؤلاء المتصارعين على من يسبق الآخر إلى الميكروفون في ذكرى إنقلاب سبتمبر الحالية، ينسون تماماً أننا في الجنوب نتابع هذا الاستعراض ببرود تام. لا تهمنا خطاباتكم، ولا يعنينا تنافسكم الصبياني على الشاشات في هذه المناسبة أو غيرها. لقد غادرنا مربعاتكم الفكرية والسياسية منذ زمن، ونرى في ضجيجكم مجرد صراع ديكة في قفص مغلق لا يمت لواقعنا بصلة.

يا هؤلاء جميعاً، أولكم فاسد وثانيكم سلالي وثالثتكم نصابة تتاجر بالدماء، ورابعكم هارب ترك ثأره وخامسكم مدعي ما ليس له: استحوا قليلاً، لا أحد يعبركم ولا يستمع لصراخكم ولا نفيركم السخيف، وفروا كلمتاكم المبتذلة التي بلا قيمة! مثلكم .