من مفارقات المشهد اليمني المعاصر أن نغمة التغني بما كان يسمى “الوحدة اليمنية” ترتفع وتيرتها كلما توغلت البلاد في واقع التمزق والتشرذم. ففي الوقت الذي فرضت فيه جماعة الحوثي واقعاً طائفياً وانفصالياً في شمال البلاد بعد انقلابها على الجمهورية والشرعية، ما تزال النخب والمتنفذون المقيمون في الفنادق يرفعون شعار الوحدة في منابرهم الإعلامية؛ ليس حباً في جغرافيا اليمن، بل دفاعاً مستميتاً عن مصالح شخصية ومكاسب مادية صرفة.
إن التمسك الأعمى بهذا الشعار يخدم أغراضاً نفعية واضحة، يأتي على رأسها الحفاظ على الامتيازات الاقتصادية. فالشمال الذي تسيطر عليه الجماعة الحوثية استنزف نفوذ النخب التقليدية وصادر أملاكها، ولم يتبقَّ لها سوى الثروات النفطية والغازية والموانئ الاستراتيجية المتركزة في الجنوب. ولأن التخلي عن شعار “الوحدة” يعني خسارة هذه الموارد نهائياً، فإن استدعاء الشعار يصبح ضرورة استثمارية لاستمرار تدفق الأموال إلى جيوبهم.
والأدهى من ذلك أن هذه المزايدة لم تعد حكراً على متنفذي الشمال؛ بل انخرطت فيها قوى وشخصيات محسوبة على الجنوب تنفذ ذات الأجندة النفعية. هؤلاء “الجنوبيون النفعيون” وظفوا شعار الوحدة كأداة للمكايدة السياسية ضد القوى الحية المطالبة بحق تقرير المصير واستعادة استقلال الجنوب. إنهم يقايضون تطلعات شعبهم ومعاناته التاريخية بفتات المناصب والمكاسب المادية التي تمنحها لهم دوائر النفوذ الإقليمي والمحلي، متحولين إلى مجرد أدوات لضرب الإجماع الجنوبي وتمزيق نسيجه الداخلي.
من ناحية أخرى يُشكل خطاب “الوحدة” المزعوم طوق نجاة سياسي لهذه القوى المشتركة؛ فهو يمنحها غطاءً شرعياً زائفاً للبقاء في المشهد والشراكة في السلطة بمدن مثل العاصمة عدن. وبدلاً من توجيه البوصلة نحو معركة حقيقية لتحرير صنعاء من قبضة الانقلاب، يجد هؤلاء المتنفذون في إثارة المعارك السياسية والإعلامية حول الوحدة وسيلة مريحة للهروب من استحقاقات المواجهة على الأرض، وشغل الرأي العام بعيداً عن عجزهم وفشلهم العسكري.
إن المزايدة باسم ما كان يسمى “الوحدة اليمنية” من قِبل كائنات سياسية صُنعت في الخارج وعجزت عن حماية عاصمتها، هو تجنٍّ صارخ واستخفاف بوعي الشعب. فالوحدة التي يتحدثون عنها لم تعد سوى لافتة استثمارية لشرعنة نفوذهم الاغترابي ومكاسبهم غير المشروعة. والحقيقة تؤكد أن من يفرط في عاصمته “صنعاء” وجمهوريته، ومن يبيع قضية شعبهم وأرضه وهويته من أجل منصب، لا يملكون الأهلية الأخلاقية أو السياسية ليدعوا الحفاظ على وطن يتجرع أبناؤه ويلات الفساد والخذلان.
