*- شبوة برس – خاص
يبدو أن وزير الدفاع في حكومة الوصاية اليمنية، طاهر العقيلي، قرر أن يضيف إلى سجله العسكري إنجازًا من نوع خاص: الذهاب إلى الضالع لاستعراض القوة، فإذا بالزيارة تنقلب إلى ورطة سياسية ومشهد ساخر يصعب تبريره.

فالرجل لم يذهب، كما يفترض بوزير دفاع، لتفقد الجبهات ورفع معنويات المقاتلين والبحث عن وسائل حسم المعركة، بل بدا أن الهدف الحقيقي كان إرسال رسالة سياسية مستفزة من قلب محافظة يعرف الجميع حساسيتها ورمزيتها.

لماذا الضالع؟!

هذا هو السؤال الذي يكشف حجم سوء التقدير. فالضالع ليست محافظة عابرة، ولا ساحة مناسبة لاستعراض الرتب والمواكب، بل جبهة جنوبية صلبة، ومحافظة ارتبط اسمها طويلًا بالمقاومة والشهداء والفرسان.

ويبدو أن العقيلي أراد توجيه رسالة إلى القائد عيدروس الزبيدي مفادها: نحن هنا في مسقط رأسك، ورجالك باعوك، ومن بقي منهم يتحرك وفق أوامرنا.

لكن الضالع، على ما يبدو، لم تستقبل الرسالة بالطريقة التي تخيلها صاحبها.

وهنا بدأت الكوميديا السوداء.

الوزير الذي جاء ليقول «نحن هنا»، وجد نفسه، بحسب ما جرى تداوله، في وضع لا يشبه إطلاقًا الصورة التي أراد تسويقها.

من «نحن هنا» إلى «كيف نخرج من هنا؟»!

يا لها من مسافة قصيرة بين الاستعراض والورطة.

والأكثر إثارة للسخرية أن العقيلي اختار الضالع تحديدًا، وكأن الرتبة العسكرية تمنح صاحبها حصانة من تاريخ المحافظة، أو أن موكب السيارات يستطيع محو ذاكرة الشهداء والفرسان.

الضالع لا تحتاج إلى وزير دفاع ليشرح لها معنى القوة. الضالع تعرف القوة جيدًا، وتعرف كذلك الفرق بين القوة الحقيقية وبين استعراض سياسي مكشوف صادر عن سلطة تتآكل هيبتها يومًا بعد آخر.

حتى علي عبدالله صالح، بكل ما امتلكه من جبروت وأجهزة أمن وقوة عسكرية، لم يكن يغامر باستفزاز الضالع بهذه الخفة.

أما أن يأتي وزير دفاع في هذا التوقيت، ثم يقرر أن يخوض معركة استعراض داخل الضالع، فهذه ليست شجاعة عسكرية، بل مشكلة حقيقية في قراءة الواقع.

وقد لخّص ناشطون جنوبيون المشهد بسخرية لاذعة، قائلين: «عفاش بقضّه وقضيضه وجبروته حكم 41 عامًا بالحديد والنار، ولم يطلع الضالع ويستفزها.. صراحة العقيلي مش عاقل».

والعبارة، رغم حدتها، تختصر المشهد: ليس كل من حمل حقيبة وزارة الدفاع يعرف كيف يتصرف كوزير دفاع.

فالحقيبة لا تصنع الهيبة، والرتبة لا تصنع الحكمة، والموكب العسكري لا يحوّل الضعف إلى قوة.

والعقيلي، إن كان قد دخل الضالع معتقدًا أنه ذاهب لتوجيه رسالة إلى خصومه، فقد اكتشف أن بعض الرسائل في الضالع لها عادة سيئة جدًا: قد تعود إلى صاحبها قبل أن يصل إلى باب الخروج.

وبحسب ما يتم تداوله، تحولت الزيارة من استعراض قوة إلى ورطة، وصولًا إلى حديث عن إقامة إجبارية، وهو ما يجعل المشهد أكثر إحراجًا لمن خطط لهذه الزيارة وروّج لها.

وفي السياسة، هناك من يقرأ الواقع قبل أن يتحرك، وهناك من يتحرك أولًا ثم يبدأ في البحث عن تفسير.

ويبدو أن العقيلي اختار الطريق الثاني.

دخل الضالع وزيرًا للدفاع، فهل خرج منها بالصورة التي أرادها، أم أن الضالع منحته درسًا مجانيًا في الفرق بين لقب الوزير وحقيقة القوة؟

أما السؤال الأكثر سخرية، فهو: من الذي أقنع العقيلي أصلًا أن استفزاز الضالع فكرة ذكية؟