أعادت جبهة مقبنة غرب تعز ملف المعارك البرية إلى صدارة المشهد اليمني حاملةً دلالات عسكرية بالغة الحساسية في توقيتها وجغرافيتها لتفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مآلات هذا التصعيد وظلاله على خطوط الملاحة الدولية في مضيق باب المندب.
إن القراءة الدقيقة للمواجهات الأخيرة تؤكد أنها لم تكن اشتباكاً عابراً، بل عملية مركبة قوامها “جس النبض المتقدم والاستباق الدفاعي”. فقد أراد الحوثيون اختبار يقظة الدفاعات الجوية والأرضية للقوات المشتركة في الساحل الغربي، بالتوازي مع رغبة الجماعة في خلق حالة “إشغال دفاعي” للشرعية والتحالف خشية تعرضهم لعملية برية مباغتة تستهدف استعادة ميناء الحديدة، خاصة مع اشتداد الخناق الدولي عليهم في البحر الأحمر ومواجهتهم لما يسمى “عملية الغضب الملحمي” الأمريكية، وإن بدت مجمدة الآن.
لكن مآلات هذه الجولة “حسب ما ورد” انتهت صدمةً للمخطط الحوثي إذ تحطمت الأوهام البرية في ساعاتها الأولى أمام صلابة خطوط الصد في قطاعات الكدحة والأحطوب مما أجبر الجماعة على الانكفاء العسكري والتعويض عنه باستراتيجية بديلة قائمة على القصف الصاروخي العشوائي بـ 14 صاروخاً باليستياً نحو المخا والوازعية لبث الرعب والنزوح.
أثبتت هذه المعركة جهوزية عسكرية واستخباراتية رفيعة لقوات المقاومة الوطنية والجيش، بينما يمسك التحالف العربي (وتحديداً المملكة العربية السعودية) العصا من المنتصف فهو مستعد للردع اللوجستي والناري القاسي، لكنه لا يزال يفضل التهدئة لضمان سلامة مساراته التفاوضية برعاية عُمانية وأمميّة.
وعلى صعيد التحالفات قدمت معركة مقبنة جواباً قاطعاً حول تموضع العميد طارق عفاش حيث تجلى بوضوح أنه وقواته يقفون في قلب خندق التحالف العربي تماماً وليس خارجه بوصفه عضواً في مجلس القيادة الرئاسي وحليفاً استراتيجياً للرياض وأبوظبي.
وقد تلاحمت القوات المشتركة التي يقودها مع محور تعز العسكري في خندق واحد لتذوب الخلافات السابقة أمام خطر المشروع الحوثي.
خلاصة القول: تبقى جبهة مقبنة بمثابة “المفتاح البري لأمن الملاحة البحرية”؛ لأن أي اختراق حوثي فيها يعني إشرافاً نارياً مباشراً على الساحل وباب المندب وتحويل الممر الدولي إلى منطقة ساقطة عسكرياً.
غير أن أسوار الساحل الغربي بدت في هذه الجولة أكثر تماسكاً وصلابة مرسلةً رسالة ردع واضحة بأن المبادرة الميدانية لم تعد حصراً بيد صنعاء.
