في مراجعة التراث الإسلامي
إن القرآن المجيد، لا صلة له – على الإطلاق – بالشفاء من الأمراض الجسدية ولا النفسية ولا العقلية، بل هو شفاءٌ من النفاق والكفر والشرك والشك، وللأمراض الجسدية أطباؤها، وللأمراض النفسية أطباؤها، وللأمراض العقلية أطباؤها.
فلو قرأتَ القرآن على كَسِيرِ قَدَم؛ ما جُبَر كسرُه ولو قرأتَ سنة كاملة دوت توقف. ولو قرأتَ القرآن على مصاب بتسرطن الخلايا أو ابيضاض الدم؛ ما شفي ولو قرأت عليه عشر سنين.
وكذلك مَن يعاني خللا في إفرازات الهرمونات في المخ وهو ما يسبب الاكتئاب والقلق والوسواس القهري بل حتى الفُصام، لن يفيده سماعُه للقرآن شيئًا. وكذلك من يعاني الجنون أو البَلَه أو العَتَه أو التخلف العقلي.
وليس أَدَلَّ على ذلك من أن الأحوال التي حققتْ فيها قراءةُ القرآن على المريض شفاءً واضحًا، هي أحوال قليلة جدًّا، بل حتى هذه قد يكون الجسم تَعَافَى من تلقائه بنظام المناعة، أو أن ما تناوله المريض من أدوية قد أدى إلى الشفاء.
قال مَن قولُه الفصل: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) الإسراء 82.
ولو كان المقصود بالشفاء هنا شفاء الأبدان والأنفُس؛ ما فرَّق الله بين المؤمنين والظالمين هنا، فالمرض وعلاجه لا يفرقان بين مؤمن وظالم.
ولأن القرآن يفسر بعضه بعضًا؛ فإن في هذه الآية حسمًا للأمر: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين) يونس 57.
فما في الصدور هو ما ذكرتُه آنفًا من أمور ذات صلة بالإيمان والكفر والإسلام والإجرام والشرك والتوحيد والشك واليقين.
وقد قرأنا السيرةَ العطرة لسيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – وسِيَرَ صحابته الكرام؛ فلم نجد لهذا الأمر من أثرٍ ولم نسمع له رِكْزًا، وهو أن يؤتى للنبي أو الصحابي بمريضٍ ويشرع في القراءة عليه حتى يشفى، وإنما هو الصبر على قضاء الله أولًا، ثم هو الدعاء وطلب تعجيل الشفاء ممن بيده الشفاء سبحانه، وإنما البشر يعالجون والله هو الشافي على الحقيقة: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) الشعراء 80.
ولو كانت قراءة القرآن – أو ما يسمى بالرقية – أمرًا ذا نَجَاعَة في العلاج؛ ما احتاج المسلمون للطِّبابَة، ولكان أهل الأرض من غير المسلمين من أكثر الناس أمراضًا، بينما الواقع هو أنهم هم مَن يعالجنا بالأدوية التي كانوا ولا يزالون يصنعونها لنا ولمرضى العالم.
وأختم بالقول: إن القرآن المعظَّم، هو كلام الله الذي أنزله على رسوله الأكرم؛ ليكون منهج حياة يقود المؤمن إلى طريقِ سعادةٍ أولها في الدنيا ومنتهاها في جنات النعيم.
وإخراج النص القرآني المعظَّم من هذه الدائرة وإدخاله في دائرة “الدروشة” والقراءة على القبور والاستماع إليه خلفيةً صوتية لمَن هو لاهٍ في عمله؛ هو مما لا يليق بكلام جبار السماوات والأرض الذي خاطب نبيه الكريم بقوله سبحانه:
(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب).
