*- شبوة برس – متابعات
تحتفظ ذاكرة عدن والجنوب العربي بأسماء رجال ارتبطت سيرتهم بمحطات مهمة من تاريخ الكفاح الوطني، ومن بينهم المقدم الشهيد عبدالقوي محمد يحيى المفلحي، الذي ارتبط اسمه بمعسكر الشهيد عبدالقوي، المعروف سابقًا باسم معسكر «ليك»، وبالجولة التي تحمل اسمه في جنوب مدينة الشيخ عثمان بالعاصمة عدن.
وُلد المقدم عبدالقوي المفلحي في قرية الجربة، حاضرة مكتب المفلحي بيافع، ونشأ في بيئة ريفية تعلم فيها القرآن الكريم، وأتقن فلاحة الأرض، وشارك الكبار مجالسهم منذ سنوات صباه. لكن عام 1943 شكّل نقطة تحول في حياته، حين غادر قريته إلى عدن والتحق بجيش محمية عدن (APL)، حيث تلقى دورة تدريبية عسكرية استمرت ستة أشهر.
من عدن إلى بريطانيا.. تجربة عسكرية مبكرة
في عام 1946، وكان في الحادية والعشرين من عمره، اختير المفلحي مع عدد من زملائه للمشاركة في عروض عسكرية أقيمت في بريطانيا بمناسبة انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتصار الحلفاء على دول المحور. ونقلتهم سفينة حربية بريطانية إلى بريطانيا، في أول رحلة بحرية له، حيث شاهد الضباب للمرة الأولى، ووقف أمام معالم بريطانية بارزة، من بينها ساعة «بيغ بن» الشهيرة.
وتلقى المفلحي لاحقًا دورات تأهيلية في عدن ولندن، وتدرج في الرتب العسكرية حتى وصل إلى رتبة مقدم، وهي من أعلى الرتب العسكرية في محمية عدن آنذاك. وتولى عددًا من المسؤوليات، أبرزها قيادة الكتيبة الأولى وقيادة المنطقة الغربية في إمارة الضالع.
وتشير الشهادات التي تناولت سيرته إلى أنه اكتسب خبرة عسكرية واسعة، وأجاد اللغة الإنجليزية كتابةً ونطقًا، كما عُرف بين مرؤوسيه بالتفاني في أداء مهامه، وبعلاقته القريبة من الجنود الذين رأوا فيه قائدًا وأخًا أكبر، لا مجرد صاحب رتبة عسكرية.
متأثرًا بالتحولات العربية.. من الجيش إلى مساندة الثورة
تأثر المفلحي، كغيره من أبناء جيله، بالتحولات السياسية التي شهدها العالم العربي عقب ثورة 23 يوليو 1952 في مصر، وبالدعوات التحررية التي ارتبطت بمرحلة جمال عبدالناصر، وما صاحبها من حركات وثورات في المنطقة، ومنها ثورة 26 سبتمبر في اليمن وثورة 14 أكتوبر في الجنوب.
وبحسب شهادات مناضلين وردت في الرواية التاريخية التي تناولت سيرته، كان المفلحي من الضباط الذين انخرطوا في تنظيم الضباط الأحرار، وأبدى تعاطفًا مع ثورة 26 سبتمبر، كما ارتبط باتصالات مع المناضل السبتمبري الشهيد أحمد عبدربه العواضي، قائد منطقة حريب، عندما كانت قوات المفلحي متمركزة في بيحان.
وينقل المناضل صالح محسن مقبل الضالعي شهادة مفادها أن المفلحي عمل، خلال وجود قواته في بيحان، على مواجهة القوات الملكية والاستيلاء على الألغام والأسلحة والذخائر وإرسالها إلى مجموعات جيش التحرير في جبهات الضالع وردفان وحالمين.
كما يروي الشيخ عبدالله مطلق صالح، قائد جبهة حالمين إبان الكفاح المسلح، أن المفلحي أبلغ الثوار بتفاصيل خطة عسكرية بريطانية كانت تستهدف جبل القضاة، ما أتاح لهم الاستعداد ومواجهة الحملة التي شاركت فيها الكتيبتان الرابعة والخامسة، مدعومتين بالطائرات المقاتلة والعمودية، وانتهت إلى الإخفاق في تحقيق أهدافها، وفقًا للشهادة المذكورة.
دور في تنظيم الضباط الأحرار والجبهة القومية
كان المقدم عبدالقوي المفلحي من الضباط المرتبطين بتنظيم الضباط الأحرار داخل القوات المسلحة، الذي أسهم في تهيئة الظروف للعمل الثوري في صفوف الجيش. وشهدت تلك المرحلة اجتماعات متواصلة لمناقشة التطورات السياسية والعسكرية، ولا سيما عقب اندماج الجبهة القومية ومنظمة تحرير الجنوب المحتل في 13 يناير 1966.
وتذكر الروايات التاريخية أن عددًا من تلك الاجتماعات عُقد في منازل بمدينة المنصورة ومحيط معسكر «ليك»، وشارك فيها المفلحي إلى جانب ضباط ومناضلين، منهم أحمد محمد بلعيد، ومحمد أحمد السياري، وصالح محمد الزنجبيلة، وناجي عبدالقوي المحلئي، ومحمد سعيد يافعي، والشيخ محمد قاسم عليو المفلحي، إلى جانب شخصيات أخرى.
كما شارك قياديون من الجبهة القومية في بعض تلك الاجتماعات، بينهم فيصل عبداللطيف، وعلي عبدالعليم، وسالم ربيع علي، ومحمد صالح مطيع، وأحمد صالح عبده، وعبدالقادر أمين، وعبدالله الخامري.
وتفيد الرواية بأن المفلحي وزملاءه أسهموا في تأمين الأسلحة والذخائر وتسهيل تنقلات القيادات الثورية والفدائيين بين جبهات القتال، خصوصًا بعد قطع الإمدادات عن الجبهة القومية عام 1966. كما نُسب إليه دور في تأمين انتقال قيادات من الجبهة القومية من الضالع إلى قعطبة، مستفيدًا من موقعه العسكري وقيادته للكتيبة الأولى والمنطقة الغربية.
وتشير الرواية نفسها إلى أن تحركاته كانت محل رصد من الاستخبارات البريطانية، وتربط ذلك بالظروف التي سبقت استشهاده، من دون أن تقدم في النص المتداول تفاصيل توثيقية مستقلة تحسم ملابسات الاغتيال.
استشهاد في سناح ووداع مهيب في عدن
في 23 مارس 1967، وفقًا للتاريخ الوارد في الرواية، كان المقدم عبدالقوي المفلحي في زيارة تفقدية للمواقع العسكرية وأحوال جنوده، عندما انفجر لغم أرضي بسيارته في منطقة سناح شمال مدينة الضالع، ليفارق الحياة شهيدًا.
وانتشر خبر استشهاده سريعًا، ووصل إلى أسرته في عدن ويافع عبر الإذاعات، ومنها القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية وإذاعة صوت العرب. ويروي الشيخ يحيى عبدالله المفلحي، عضو مجلس الشورى وشقيق أرملة الشهيد، أن الأسرة كانت تستعد لاستقباله لقضاء عيد الأضحى معها، فتحول انتظارها للقاء إلى فاجعة.
أما شقيقه عبدربه المفلحي، فكان في قرية الجربة بيافع يحتفل بمولود جديد حين بلغه الخبر، فيما جرى حجب النبأ عن والدته، أم الشهيد، مراعاةً لمشاعرها.
وبحسب الشهادة، نُقل جثمان المفلحي في اليوم نفسه بطائرة عمودية إلى المستشفى العسكري في عدن، وأُديت عليه صلاة الغائب في مسجد معسكر «ليك»، الذي أصبح يُعرف لاحقًا بمعسكر الشهيد عبدالقوي. وخرجت جموع من أبناء عدن في موكب لتشييع المناضل الذي ارتبط اسمه بمسيرة الكفاح الوطني في الجنوب.
ويرى شبوة برس أن استحضار سيرة المقدم الشهيد عبدالقوي المفلحي ليس مجرد تفسير لاسم معسكر أو جولة في عدن، بل هو استعادة لصفحة من تاريخ رجال جنوبيين جمعوا بين الخبرة العسكرية والعمل الوطني، وارتبطت أسماؤهم بمحطات من مسيرة التحرر. وتبقى الشهادات المتعلقة بسيرته ووقائع استشهاده مادة مهمة للتوثيق التاريخي، بما يستحقه تاريخ الجنوب العربي من حفظٍ وتدقيق، حتى تعرف الأجيال سيرة الرجال الذين تركوا أثرهم في ذاكرة المكان والناس.
