مراحل العقيلي الست: هندسة الفشل وضياع الأرض

بعد سنوات من التخطيط العسكري الأسطوري والاجتماعات المكثفة في الفنادق الفاخرة، فاجأنا فخامة رشاد العليمي، برفقة جنرال الفتح العظيم طاهر العقيلي، بإطلاق المعركة الموعودة “فجر اليمن”. ولأن الجيوش التقليدية تقاتل بالخطط والبنادق، قررت عبقرية هذه القيادة أن تقاتل بـ”الهندسة الرياضية” والتقسيم الطبقي، فقسموا المعركة إلى ست مراحل كاملة؛ ليضمنوا أن تسير الخيبة والتعثر الميداني بنظام ووفق الخطة المعتمدة.

الجميل في هذه الاستراتيجية الفريدة أننا ما زلنا نراوح في “المرحلة الأولى من الفقرة أ”، ويبدو أن بقية الحروف الأبجدية والمراحل الخمس القادمة تحتاج إلى عقود أخرى من الانتظار. فبينما كان العقيلي يفرز المراحل والفقرات على الورق، كان الحوثي على الأرض يلتهم ريف تعز بالكامل، متوغلاً في التربة والوازعية والشمايتين، ومجتاحاً الساحل الغربي من الخوخة إلى المخا وصولاً إلى مشارف الممر الدولي. وحصاد هذه الجيوش الجرارة حتى الآن هو “صفر كيلومتر” من الأرض المحررة، بل إن الإنجاز الوحيد لجيش مايسمى الشرعية هو إتقان فن “التراجع التكتيكي” وصد الهجمات ببيانات الإدانة والاستنكار الشديد، تاركين خلفهم مدناً تُسلم ومساحات شاسعة تسقط، في مشهد لا يورث سوى الخيبة ومسلسلات العار الميداني المتكرر.

وفي غمرة هذا الفشل الاستراتيجي لجيوش التبب وأرباب الإعاشات، جاء الرد الحقيقي والدرس القاسي من جبال كهبوب ورمال ذوباب الساحلية. هناك.. لم تكن هناك مراحل ست ولا فقرات أبجدية، بل كانت هناك “ألوية العمالقة الجنوبية” التي لا تؤمن بالفلسفة العسكرية الافتراضية. بضربات خاطفة وعقيدة فولاذية تحمي الأرض والقرار، تقدمت هذه القوات الجنوبية لتلقن العدو درساً في الثبات، وتنتزع الانتصارات الحقيقية في ذوباب وجبال كهبوب المطلة على باب المندب لتطهر الخنادق وتقطع دابر التمدد الحوثي، وتثبت للعالم أن الأرض لا يحميها هواة الفنادق والمكاتب بل رجال الميدان.

إن معركة “فجر اليمن” الورقية أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الفجوة شاسعة بين قيادة تدير الحروب بالخطابات وتوزيع الوعود الواهية باستعادة صنعاء، وبين واقع بائس يعجز فيه جيش بأكمله عن تحرير كيلومتر واحد او حتى حماية محيطه. الأوطان لا تُحرر بالتقسيمات الهندسية ولا بالفخفخة الإعلامية. وبينما يستمر قادة الفنادق في دراسة “المرحلة الثانية”، ستبقى بنادق العمالقة الجنوبية هي الحقيقة الوحيدة التي تكسر شوكة المعتدي وتصنع الانتصارات الفعلية على الخارطة.