تطوي الأوطان أحياناً صفحاتٍ من تاريخها برحيل رجالها الاستثنائيين، وفي الخامس من أكتوبر 2026، فُجِع الجنوب العربي والجزيرة العربية بغياب قامة عانقت المجد القبلي والسياسي؛ الشيخ محمد فريد بن محسن فريد العولقي. رحل شيخ مشايخ العوالق تاركاً خلفه فراغاً شاغراً في كرسي الدهاء السياسي والحنكة التي افتقدها المشهد المعاصر.

تشرّب الراحل الكبير السياسة منذ ريعان شبابه في كنف أسرة آل محسن بن فريد العريقة، وصقل موهبته الفذة عبر دراسته الرصينة في كلية محميات عدن لأبناء الأعيان والمدرسة الثانوية الحكومية. لم يكن مجرد زعيم قبلي، بل مهندساً للهوية المؤسسية للوطن؛ إذ قاد الدبلوماسية في الستينات بكفاءة واقتدار أثناء توليه منصب وزير الخارجية في حكومة اتحاد الجنوب العربي (1963-1967)، بعد أن أرسى القواعد المالية كوزير للمالية. كان صوته الرصين يتردد في أعلى المحافل الدولية كالأمم المتحدة، مدافعاً عن انتقال سلمي وبناء دولة اتحادية قوية.

جاء نبأ رحيله قبل يومين ليوجه طعنة حزن غائرة في نفس كم من عرفه عن قرب، وفقدته قبائل العوالق كافة، وامتد الأثر البالغ ليشمل قبائل الجنوب العربي قاطبة وكل المؤمنين بمشروعه الوطني. لقد آلم هذا الفقد ساحات الجنوب العربي التي تشهد اليوم تحولات سياسية وعسكرية دقيقة، تتطلب ذات الحكمة والاتزان التي كان يتمتع بها الشيخ محمد؛ حيث كان يؤمن دوماً بأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات الفضفاضة بل بإخلاص الرجال.

غادرنا شيخ الحكمة بصمت يُشبه وقاره، لكن إرثه الدبلوماسي العريق ورؤيته الاستشرافية التي ناصرت التسامح وبناء المؤسسات ستبقى البوصلة التي تهتدي بها الأجيال في دروب السياسة الوعرة. عظم الله أجر أسرته وقبائل العوالق والجنوب العربي عامة، وتغمده الله بواسع رحمته ورضوانه.