قراءة في بيان المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى

أختصر مضامين البيان التاسيسي للمجلس التنسيقي الحضرمي تهنئة للخنبشي يقول محتواها:
“نحن مع حضرموت أولاً ، ولكن حضرموت أولاً داخل اليمن أولاً” والمعنى الاوضح انها تهنئة للشرعية

صدر امس عن المكلا البيان التأسيسي للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى من 56 بنداً وشعار واضح: “حضرموت أولاً”

والملفت أن البيان جاء جاهزاً وكأنه بيان مكون سياسي واحد وليس بيان مؤتمر تأسيسي تنسيقي لعدة مكونات تحمل تباينات فغابت فيه لغة التوافق والتراضي التي يفترض أن تميز ميلاد جسم “تنسيقي جامع”، وحضر بدلاً عنها خطاب مركزي موحد السقف والقرار

الوثيقة تستحق القراءة لأنها تعلن ميلاد لاعب جديد في معادلة معقدة لكن السؤال: هل هذا الميلاد سيخلق استقراراً ؟ وأين يضع القضية الجنوبية وهي تمتلك عمق وسعة في المجتمع الحضرمي وسقفها ليس الإدارة الذاتية او “اليمن أولا ” كما “دندنت بنودها” واكدتها “التهنئة”

البيان فيه ايجابيات ادارية لحقوق حضرموت لا خلاف عليها ولن يقلل احد منها ، لكن اهم سلبيات البيان زرع فتيل أزمة جديدة عندما يعلن أن “حضرموت طرف أصيل ومستقل” بند 9 ويشارك “بندية” في الحوار الجنوبي بينما الحقيقة انه يمثل مشروع الشرعية اليمنية في الحوار وبذلك يفك عملياً فكرة “الجنوب كتلة واحدة” التي قاتل عليها الجنوبيون منذ 1994. كما أنه لم يضع هذه “الندية لحضرموت” في دولة مخرجات الحوار التي شكّلت الجهاز العصبي للبيان

البند 9: مشروع مستقل أم ممثل في الحوار الجنوبي
وهنا الإشكال الجوهري البيان يؤكد أن “قضية حضرموت سياسية ومشروع سياسي مستقل” بند 9 وفي نفس الوقت يقرر أن تكون مشاركتها في الحوار الجنوبي “بندية” هذه الندية لم يذكرها حين تكون حضرموت جزء من “اليمن أولا “

المنطق يقول: إذا كنت “مشروعاً مستقلاً” فالمفروض تكون مشاركتك مثل بقية محافظات الجنوب بنسبة تمثيل بحسب المساحة والسكان ضمن وفد جنوبي موحد أما أن تدخل “طرفاً مستقلاً” في حوار سيخرج برؤية جنوبية واحدة فهذا يعني شرخ للكتلة الجنوبية قبل أن تبدأ

من حق التنسيقية ان تكون واضحة في اهدافها لكن لاتجعل القضية الجنوبية “بنر لتسويق مشروعها” فتقزّمها من الهوية إلى المطالب الإدارية في الهامش .. وهنا بيت القصيد فالبيان لم يذكر كلمة “استقلال” ولا “تقرير مصير” ولا حتى “فك ارتباط” أقصى سقف طرحه هو “الفيدرالية القابلة للنقاش” بند 13

القضية التي قامت على دماء وتضحيات وإعلام التضحية اختزلها البيان إلى 3 ملفات: نسبة من النفط تمثيل في المناصب وصلاحيات محلية وتحولت من *”قضية هوية” إلى “مذكرة مطالب إدارية”

الأخطر: البيان يؤكد “المركز القانوني للدولة” بند 18 ويدعم قرارات مجلس القيادة بند 55 أي أنه يولد من رحم الشرعية لا كبديل يواجهها باسم حضرموت وهذا بالضبط مشروع “الأحزاب اليمنية” في حوار 2013 الذي خرج الجنوبيون ورفضوه في الشارع وحملوا السلاح وقاوموه في 2015

نفهم أن الرياض تبحث عن استقرار وعن شركاء – وهذا حقها – ودعت الى حوار “لا يستثني احدا” لكن البيان اسقطه في اول اختبار فالقضية ليست اشخاص ولو كانت كذلك فقد شارك اشخاص باسمها في حوار صنعاء وفشلوا اما تسويق الحقوق الادارية لاستبعاد الحقوق السياسية فهي مغالطة لن تلغي الصوت السياسي الجنوبي في حضرموت وتمرير هذا المجلس كـ “صوت الجنوب” خطأ استراتيجي. لأن هذا ليس صوت الجنوب هذا صوت نخب جنوبية موجودة أصلاً في سلطة صنعاء منذ 94 ولم تكن جزءا من للقضية بل لم تحرك ساكناً للتعامل مع المظلوميات الحقوقية للجنوب والقضية يجدها من اراد في صوت الشارع الذي خرج من 2007 وقاوم في 2015 إلى اليوم والذي لا يزال يرفع علم الجنوب، وهي غير موجودة في الـ 56 بنداً وهذا ينفي مسألة التنسيق العام فلو رفض الانتقالي او تم استثناؤه من التنسيق فالواجب ان تكون القضية الجنوبية حاضرة بتعريفها واهدافها لأنها قضية شعب صوته يجلجل في كل الجنوب وفي حضرموت

من أراد حواراً حقيقياً فعليه أن يسمع لمشروع الجنوب ويضعه في مكانه كما يريده أهله : مشروع استعادة دولة لا مشروع إعادة توزيع الحصص.

الخلاصة
المجلس التنسيقي نجح في توحيد الإرادة الحضرمية الموجودة أصلاً في السلطة اليمنية منذ 94 ، لكنه فشل في أن يكون جزءاً من حل للقضية الجنوبية التي لها من الأتباع والأنصار ما يفوق باضعاف مضاعفة أنصار الإدارة الذاتية

حضرموت تستحق أن تُنصف والجنوب يستحق أن يُحترم والشراكة الوطنية الحقيقية لا تُبنى إلا بالاعتراف بالحقوق كاملة ، لا بتجزئتها