تشهد بعض محافظات الجنوب مخاضاً سياسياً مصطنعاً يتجلى في الولادة المتسارعة لكيانات وهياكل كرتونية تُصنع خلف الحدود ويُدفع بها إلى المشهد دفعاً.
ترفع هذه المجالس المستنسخة شعارات برّاقة تلعب على وتر “المظلومية المطلبية” ونسب الثروات، بينما تختبئ في دهاليزها حقيقة واحدة لا تخطئها عين؛ إنها مجرد أوراق ضغط و”مصدّات سياسية” جرى تصميمها بعناية من قِبل قوى النفوذ الإقليمي بهدف تفتيت الكتلة الجنوبية الصلبة وإرباك حاملها السياسي وخلخلة حلم استعادة دولة ما قبل عام 1990.
والسؤال الأكثر إلحاحاً ومحورية: لماذا الإصرار على تفريخ هذه المجالس وتوليدها قيصرياً في وقت تعج فيه الساحة بأطر تمثيلية عريقة كـ “مؤتمر حضرموت الجامع” ومؤتمر شبوة الشامل؟ الإجابة تكمن في جوهر “الوظيفة”.
فالكيانات القديمة والراسخة رغم كل محاولات احتوائها تظل محكومة بإرثها القبلي وامتدادها الشعبي الأصيل في الأرض، ولديها خطوط حمراء يفرضها عليها المجتمع والشارع مما يمنعها من الانقياد الأعمى في تنفيذ إملاءات الخارج.
أما هذه المجالس الهجينة فهي أقرب إلى المقاولات السياسية الموسمية؛ مجالس بلا قواعد هبطت بمظلات ماليّة ودبلوماسية لتؤدي دوراً وظيفياً محدداً ينتهي بانتهاء الحاجة الإقليمية إليه.
إن واقع الأرض في حضرموت يقدّم الدليل الدامغ على زيف هذه التشكيلات؛ فمنذ إعلانها الصاخب من صالونات الفنادق الفاخرة لم يلمس المواطن منها شربة ماء، ولا وميض كهرباء، ولا حلولاً لانهيار المعيشة والعملة.
لقد تُرِك الإنسان الحضرمي يواجه الأزمات وحده بينما انشغلت نخب الفنادق بإصدار بيانات المحاصصة والـ 20%، مما يثبت أن الهدف الفعلي لم يكن يوماً تنمية الأرض أو إنصاف الإنسان، بل استخدام الجغرافيا الشرقية من الجنوب العربي كخزان مالي وجيوسياسي يضمن للإقليم المتوجس بقاء مفاتيح الثروة والقرار في قبضتها وتحت وصايتها المباشرة.
في المحصلة يثبت التاريخ أن الكيانات التي تُولد في غرف الاستخبارات المغلقة وبأموال الدعم الخارجي لا تعيش طويلاً، وسرعان ما تذوب بمجرد تبدل حسابات المصالح أو تغير موازنات الميدان.
إن محاولات تسويق الوهم وصناعة نخب بلا أرض لن تغير من حقيقة أن وعي الشارع وإرادته الحرة هما الصخرة التي تتحطم عليها كل مشاريع الاستنساخ وتجارة الهويات.
