*- تعليق سياسي – شبوة برس
في زمن المفارقات الجنوبية، لم تعد الرتبة العسكرية دائمًا نتيجة لمسار مهني طويل أو خبرة ميدانية متراكمة؛ فقد أصبحنا نشاهد أحيانًا رتب العميد واللواء تُمنح لمن يكفيه أن يطيل لحيته أو يقصر ثوبه حتى يصبح مؤهلًا، في نظر أصحاب المشاريع السياسية، لقيادة وحدة عسكرية أو لواء وربما تشكيل أكبر.
المشكلة ليست في اللحية ولا في الثوب، فهما شأن شخصي لا علاقة له بالكفاءة العسكرية. المشكلة حين يتحول المظهر الديني إلى بطاقة عبور نحو المواقع العسكرية العليا، وتتحول المؤسسة العسكرية إلى سوق لتوزيع الرتب والمناصب على أساس الولاء السياسي بدل التأهيل والخبرة والاستحقاق.
والأكثر خطورة أن بعض هذه التعيينات لا تبدو معزولة عن مشروع سياسي يسعى إلى الاستثمار في الأشخاص والتشكيلات العسكرية لخدمة أهداف تتعارض مع إرادة شعب الجنوب العربي وحقه في تقرير مصيره وبناء دولته الجنوبية الفيدرالية.
فالقوات المسلحة ليست منبرًا للدعاية السياسية، واللواء العسكري ليس شيخ مسجد أو مدرسة، والرتبة ليست مكافأة على الطاعة. الجيش يحتاج إلى قائد يعرف الأرض والسلاح والانضباط والعمليات، لا إلى شخص يجري تأهيله سياسيًا ثم يُمنح رتبة عسكرية أكبر من خبرته.
ومن السخرية أن يصبح معيار “المطوّع” أهم من معيار الضابط، وأن تختصر سنوات التدريب والخدمة العسكرية في لحية وثوب قصير وشعارات دينية، ثم يُطلب من الجندي المحترف أن يتلقى أوامر من شخص لم يصعد السلم العسكري الطبيعي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمؤسسة العسكرية الجنوبية هو تحويلها إلى أدوات مستوردة لمشاريع سياسية تستهدف قضية شعب الجنوب، ثم تغليف ذلك كله بالرتب العسكرية والمظاهر الدينية.
فالجنوب لا يعادي الدين ولا المتدينين، لكنه يرفض أن تتحول الدين والمظاهر الدينية إلى ستار لتفريخ قيادات عسكرية موالية لمشاريع سياسية معادية لإرادته.
الرتبة العسكرية يجب أن تذهب إلى صاحب الكفاءة، لا صاحب اللحية؛ وإلى من يحمي الجنوب، لا من يُستثمر به ضد الجنوب.
