حين يخرس القلم صخب الفكر

ثمة خرافة شائعة تقول إن الوجع يلد الكتابة، وإن المحن هي الوقود الأفضل للأبجدية. لكن الحقيقة التي لا يدركها إلا من اكتوت أصابعه بلهيب الحيرة، هي أن العقل حين يضطرب والمشكلات حين تزدحم في الرأس يصاب الحرف بالشلل التام.

في تلك اللحظات التي يشغل البال فيها موضوع ثقيل، يتحول البياض أمام الكاتب من مساحة للحرية إلى جدار إسمنتي مصمت. أريد أن أكتب، أتحسس قلمي، لكنني أجد عقلي أشبه بساحة حرب تتنازعها الظنون، ومرآة ضبابية انمحت عليها ملامح الرؤية. كيف للحبر أن يسيل طيعاً عذباً، والروح عالقة في مأزق البحث عن مخارج، والأفكار تتزاحم في مخيلتي كأوراق خريفية تعبث بها الرياح في كل اتجاه؟

الكتابة في جوهرها تحتاج إلى مساحة من السلام الداخلي، أما حين يقتحم صخب الحياة اليومية محراب الفكر، وتتحول الهواجس إلى طنين مستمر يحجب صوت الإلهام، فإن كل محاولة للكتابة تبدو أشبه بالنقش على الماء.

عندما أكون مشغول البال، أكتشف أن الكلمات كائنات شديدة الحساسية لا تقبل الشراكة في عقلٍ تتقاسمه شتى شواغل الدنيا؛ هي تريد العرش كاملاً أو تنسحب بصمت. وفي هذا الانسحاب، أدرك أن أبلغ ما يفعله المرء حين تتلاطم أمواج المشاكل في رأسه، هو أن يمنح قلمه إجازة قسرية بانتظار أن يهدأ البحر لتشرق الكلمات من جديد.