التيه العربي
يطل علينا السادس من أكتوبر مجدداً، التاريخ الذي حفظه العرب في ذاكرتهم كآخر “بروفة” جماعية لقول كلمة “لا”. في مثل هذا اليوم، كانت الجيوش العربية تبرهن على أن المعجزات ممكنة، وأن دماء الشهداء منذ عام 1948 لم تكن حبراً على ورق، بل كانت وقوداً لقضية مركزية التف حولها الجميع من المحيط إلى الخليج.
لكن المفارقة الساخرة اليوم أن هذا التاريخ لم يعد يذكرنا بالنصر بقدر ما يذكرنا بحجم “التيه” وبما أضاعه العرب. القضية الأصلية التي جُيشت من أجلها الجيوش تبخرت في أروقة الحسابات الضيقة، وتحول المشهد من استعراض للقوة في وجه الاحتلال، إلى استعراض للهروب والحياد، بل والتنصل الكامل من التزامات القومية والدين والتاريخ.
في حرب غزة الحالية تفوقت العواصم العربية على نفسها في ممارسة فن “التكور” والانكفاء؛ لم يكتفِ البعض بالصمت، بل أظهروا عداءً غريباً للفلسطينيين وصبّوا جام غضبهم وكراهيتهم على غزة وحماس، وكأن الضحية المحاصرة هي التي تهدد عروشهم واستقرارهم الوفير! ويبقى السؤال المضحك المبكي يتردد في الأروقة: هل كل هذا الرعب تماهٍ وخوف من أمريكا وإسرائيل، أم أنه انسجام طوعي مع سياستهما بعد أن أصبحت “الواقعية السياسية” تعني التنازل عن الكرامة؟
الأنظمة السياسية الحالية نجحت في تخريد تضحيات الجيوش العربية وتصفير عداد الشهداء. تنكروا لدماء من قضوا في السويس وسيناء والجولان، وجعلوا تضحيات شعب فلسطين الأسطورية طوال عقود مجرد عبء دبلوماسي يبحثون عن مخرج منه. أصبح التضامن تهمة، والمقاومة مغامرة غير محسوبة، والاستسلام حكمة يروج لها إعلاميون يتقنون البكاء على “أمن المنطقة” بينما يُباد جزء منها.
6 أكتوبر اليوم ليس مجرد ذكرى عسكرية، بل هو مرآة تعكس كيف تبخرت التضحيات وتحول الإخوة إلى حراس لسراب السلام تاركين غزة وحيدة تدفع كلفة الكرامة نيابة عن أمة فضلت النوم في حضن “الشرعية الدولية”.
