لم يتبقَّ من ما كان يسمى”الوحدة اليمنية” سوى حبال صوتية مهترئة يشدها طابور طويل من المنتفعين القابعين في ردهات الفنادق الفاخرة، يصرخون بعيون دامعة وقلوب مرتجفة: “الوحدة أو الموت!”.
والمفارقة هنا أن الموت كان دائماً من نصيب الشعب المطحون، بينما كانت “الوحدة” عبارة عن صك ملكية وحصص نفطية وعقود إيجار لأراضٍ منهوبة في الجنوب لا يطالها الفناء.
لقد قضى انقلاب الحوثي على الوحدة بكل تجلياتها؛ داس على الدستور، ومزق النسيج الاجتماعي، وشطب الجمهورية من القاموس، وحوّل الشمال إلى إقطاعية طائفية خاصة.
غيّر المناهج وصادر الأموال، بل وطرد هؤلاء “الوحدويين” أنفسهم من غرف نومهم في صنعاء.
وبدلاً من أن يتفرغ عباقرة الفنادق لتحرير غرفهم ومواجهة الميليشيا، التفتوا فجأة إلى الجنوب صائحين: “إياكم والانفصال، فالوحدة خط أحمر!”.
السر الحقيقي وراء هذا الوجد الصوفي بالوحدة ليس حباً في جغرافيا مشتركة، بل رعباً من جفاف “المنبع الدافئ”. فالخروج من عباءة اليمن الواحد يعني قانونياً انتهاء صلاحية “شرعيتهم” المستوردة، وتبدد آخر ما تبقى لهم من حصص في حقول شبوة وحضرموت، وضياع النفوذ التجاري الذي تشكل بحد السيف بعد صيف 1994.
إنهم لا يدافعون عن وطن، بل يذودون عن “مزرعة استثمارية” يرون أن التنازل عنها هو الكفر الأكبر.
تبدو اللعبة مكشوفة ومثيرة للشفقة؛ وحدة بلا دستور، وبلا مؤسسات، وبلا شعب يقبلها، لكنها قائمة في الحسابات البنكية لهؤلاء السدنة.
إنهم يمارسون “التقية السياسية” في أبهى صورها؛ يبكون على الوطن الممزق أمام الشاشات، ويهرعون خلف الكواليس لتقاسم عائدات النفط والوظائف الدبلوماسية لأبنائهم.
لقد تحولت الوحدة في أدبياتهم من مشروع قومي إلى آلية جباية عابرة للحدود، وشعار أجوف يُرفع للتغطية على عجزهم المخزي في استعادة أسوار صنعاء.
وإذا كان الحوثي قد اغتال الوحدة فعلياً، فإن هؤلاء يصرون على ممارسة طقوس “الندب والنياحة” عليها، ما دام القبر يدرّ ذهباً، وما دامت الجثة تمنحهم حق البقاء في الفنادق إلى إشعار آخر.
