يستيقظ البحر الأحمر اليوم على واقع جيوسياسي شديد القتامة، أفرزته معادلات السقوط المدوي في الساحل الغربي لليمن، بعد أن أحكمت جماعة الحوثي قبضتها على مدينة المخا الاستراتيجية، واضعةً مضيق باب المندب تحت رحمة ترسانتها العسكرية العابرة للحدود.
هذا التحول الدراماتيكي يطرح السؤال الأبرز في الأوساط السياسية: هل ما حدث كان مجرد سقطة عسكرية لمنظومة متهالكة، أم صفقة غرف مغلقة لتمرير أجندات دولية وإقليمية؟
تُشير قراءة فرضية “السقطة” إلى البؤس العسكري لما يُسمى بـ “الشرعية”؛ فبينما كان يُفترض بهذه القوات الذود عن البوابة الغربية، آثرت الفرار تاركةً خلفها عتاداً عسكرياً هائلاً يكفي لفتح جبهات صنعاء.
هذا الانهيار الميداني الفاضح يعكس الفساد البنيوي وتعدد الولاءات بين الفصائل المحلية وغياب العقيدة القتالية، مما أسقط آخر أوراق التوت عن قدرة هذه المنظومة على حماية المضيق الدولي، وجعل من فكرة “استعادته” ضرباً من الوهم.
في المقابل تبرز فرضية “الصفقة السرية” كقراءة واقعية تخدم عسكرة الممر المائي؛ فتمكين فصيل مسلح من خنق الملاحة يمنح القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة والدول الأوروبية، الذريعة القانونية الكاملة لنشر أساطيلها وحاملات طائراتها بشكل دائم في البحر الأحمر لحماية التجارة العالمية، وهو وجود استراتيجي لم يكن ليُقبل في ظروف السلم.
كما أن المضيق بات يمثل “ورقة ضغط” ثمينة في المفاوضات الإقليمية الأوسع، وضماناً لتثبيت “ستاتيكو” جديد يمنح كل طرف منطقة نفوذ مغلقة لتقسيم الخريطة اليمنية.
بين مطرقة السقطة العسكرية وسندان الصفقة الدولية يفتح هذا الفراغ الميداني الباب لسيناريو تدويل الصراع بشكل غير مسبوق، وتحويل السواحل اليمنية إلى ساحة مستمرة لتبادل الضربات الصاروخية والردع العسكري بين المحاور العالمية.
وفي الأخير يدفع اليمن ثمن هذا التبديد للمقدرات الوطنية؛ فالقرار خرج تماماً من أيدي اليمنيين ليصبح رهناً بتوازنات القوى في مياه البحر الأحمر، لتظل تطلعات الشعب في الاستقرار والسيادة رهينةً لمعارك دولية تُدار على حسابه وحساب مستقبله.
