*- شبوة برس – خاص
الجنوبيون لم يكونوا يوماً بحاجة إلى من يعرّف بهم، فهم معروفون للقاصي والداني، لكن خصومهم أصرّوا على اختراع تعريفات أخرى لهم، لا علاقة لها بحقيقتهم بقدر ما لها علاقة بأهواء أصحابها ومشاريعهم ومصالحهم. فكلما تغيّرت المرحلة تبدّلت التهمة، وكلما تبدلت الحسابات السياسية أعيدت صياغة قاموس الاتهام، وكأن الجنوبيين مادة جاهزة للتشويه عند الطلب.

في عام 1994 وما بعده، كان الجنوبيون “شيوعيين” و”ماركسيين” و”اشتراكيين” و”ملاحدة”. وحين جاءت مرحلة جديدة عام 2007 وما بعدها، جرى إخراج تهمة أخرى من الدرج، فأصبحوا “إيرانيين” و”أرباب الضاحية الجنوبية”. وفي عام 2015 وما بعده، تغيّر القناع مرة أخرى، وتحول الجنوبيون في قاموس خصومهم إلى “دواعش” و”إرهابيين”.

ومع بداية عام 2026، يبدو أن تجار الاتهام أعادوا تدوير بضاعتهم القديمة، فعادت مفردات الشيوعية والماركسية والاشتراكية والإلحاد والضاحية وإيران إلى الواجهة، مع إضافة تهمة جديدة أكثر خطورة، هي “الصهينة”، وكأن سوق التهم لا ينقصه إلا عنوان جديد يواكب المرحلة.

واليوم، تجد من يصف الجنوبيين بأنهم “رجال الرجال” و”أسود السنة”، وفي المقابل من يصفهم بأنهم حوثيون، بينما يتمسك آخرون بتهم الأمس. وهكذا يصبح الجنوبي، في قاموس هؤلاء، حوثياً في خطاب، وإيرانياً في خطاب آخر، وداعشياً في خطاب ثالث، وشيوعياً في رابع، وصهيونياً في خامس؛ ليس لأن الحقيقة تغيرت، وإنما لأن مصلحة صاحب الاتهام هي التي تغيرت.

المفارقة الفاضحة أن التهمة تتبدل، لكن المستهدف واحد.

فإذا كان الجنوبيون مرة شيوعيين، ومرة إيرانيين، ومرة دواعش، ومرة حوثيين، ومرة صهاينة، ومرة “أسود السنة”، فالسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لكل هذه التهم المتناقضة أن تجتمع في شعب واحد؟

الإجابة واضحة: المشكلة ليست في الجنوبيين، وإنما في من يملك قاموس الاتهام ويوزّع التهم بالجملة، ثم يعيد ترتيبها كلما تغيرت مصالحه وأهدافه وحساباته الحزبية والعسكرية والسياسية.

الخلاصة أن المشكلة لم تكن يوماً في الجنوبيين، وإنما في تجار الدين والسياسة وعديمي المبادئ والقيم؛ أولئك الذين يرفعون شعاراً اليوم وينقضونه غداً، ويبحثون في كل مرحلة عن تهمة جديدة يعلّقونها برقاب خصومهم، ثم يقدمونها للرأي العام وكأنها حقيقة منزلة لا تقبل النقاش.

أما الجنوبيون فقد ظلوا هم أنفسهم. لم تتبدل طباعهم، ولا أهدافهم، ولا وطنيتهم، ولا بسالتهم، ولا وفاؤهم، ولا إخلاصهم، ولا صدقهم. الذي تبدل هو قاموس خصومهم، وتبدلت معه الأقنعة والاتهامات.

والتصنيف الذي يتغير بتغير الحاجة والمصلحة ليس حقيقة ولا وصفاً موضوعياً، بل هو فجور في الخصومة وسقوط أخلاقي مدوٍّ، وأداة رخيصة يتكئ عليها الفاشلون والفاسدون وتجار السياسة والدين. يرفعونها متى خدمت أغراضهم، ويتخلون عنها متى انقلبت عليهم، وكأن المبادئ عندهم سلعة موسمية تُستدعى من المخازن عند الحاجة، ثم تُرمى في أقرب سلة مهملات عندما تنتهي المصلحة.

لقد صار للجنوبيين، في قاموس خصومهم، تصنيفات جاهزة وتحت الطلب: تهمة لكل مرحلة، ووصمة لكل معركة، ووصف لكل مصلحة. لكن ما عجز هؤلاء عن تغييره هو حقيقة واحدة: الجنوبيون ليسوا تلك التهم المتناقضة التي يوزعها خصومهم، وإنما شعب له تاريخه ووعيه وذاكرته وتطلعاته، ولا يحتاج إلى شهادة وطنية من تجار المواقف ولا إلى صك براءة من محترفي التشويه.

مراقب جنوبي

شبوة برس – خاص