أن تصبح استقالة قامة تربوية وإدارية فذة بحجم ” الأستاذ ناصر أحمد الآسي المدحجي”، أحد أبرز ركائز العطاء في ثانوية حنيشان التاريخية بمدينة عتق، خبراً يتداوله الشارع بشبوة بمرارة واستهجان، فهذا يعني أننا لا نعيش مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل نمر بزلزال يضرب أركان الهوية والمستقبل.
ثانوية حنيشان، التي طالما كانت منارة للعلم ومصنعاً للأجيال والقادة في المحافظة، تفقد اليوم أحد أنقى فرسانها؛ لا لتقاعده أو مرضه، بل لأن الظروف المعيشية القاسية أجبرته على مغادرة محرابه الطاهر.
حين يضطر معلم ومربٍّ أمضى زهرة شبابه وعقوداً من عمره في تربية العقول إلى الاستقالة، لأن راتبه الشهري بات عاجزاً عن شراء “قطمة أرز زنة 40 كيلوغرام”، فإننا أمام إعلان رسمي عن موت القيمة الإنسانية والتقدير لـ “ورثة الأنبياء”. إن هذه المأساة المعيشية الصادمة ليست حالة فردية، بل هي مرآة مجلّية تعكس “سياسة الإهمال المتعمد والتطفيش الممنهج” التي يتعرض لها المعلم
في طول البلاد وعرضها.
الرواتب التي لم تعد تكفي لسد رمق الأسرة في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار المواد الغذائية والتدهور المخيف للعملة تحولت إلى أداة سخرة وقهر تضع التربويين بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الموت جوعاً حفاظاً على نبل رسالتهم، أو الهجرة والبحث عن مهن بديلة تسد رمق أطفالهم.
إن تفريغ المدارس والثانويات النموذجية من عقولها وكفاءاتها الكبرى عبر سلاح قطع الرواتب وضآلتها، ليس مجرد فشل إداري أو أزمة مالية فرضتها الحرب، بل هو “عملية تجهيل ممنهجة ومقصودة للأجيال”. فالأنظمة المتخاذلة تدرك تماماً أن هدم الشعوب ومستقبلها يبدأ أولاً بكسر هيبة المعلم وإفقاره وإلحاق الذل به؛ لأن الطالب الذي يرى قدوته واستاذه يعيش العوز والحاجة ويضطر للاستقالة لتوفير قوته، سيزهد في العلم والتعليم برمته، لتتحول المدارس إلى جدران خاوية من المعرفة، ويندفع الشباب نحو رصيف الجهل والضياع، ليصبحوا لقمة سائغة في أيدي الجماعات المسلحة وتجار الحروب.
إن الهبة التضامنية والاستهجان الشعبي الواسع في شبوة عقب استقالة الأستاذ ناصر، هي صرخة وعي مجتمعية ترفض الانقياد نحو ظلمات الجهل والظلام، وإن محاربة هذا التجهيل الممنهج تبدأ من الإدراك بأن كرامة المعلم وراتبه العادل هما خط الدفاع الأول عن بقاء الوطن.
على السلطات المحلية في محافظة شبوة وكافة الجهات المعنية أن تدرك أن إنقاذ قطاع التعليم وحماية كوادره من الضياع هو جبهة لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، وإلا فإن ثمن هذا الصمت المخزي اليوم سيكون جيلاً بأكمله بلا وعي ولا هوية ولا مستقبل.