ليس أشدّ على النفس من أن يرى الإنسان التضحيةَ تُقابل بالإجحاف، والتنازلَ السخي يُكافَأُ بالتهميش والتراجع.
لقد جاد أبناء الجنوب العربي بكل ما يملكون على مذبح المشروع الجامع؛ تنازلوا عن دولتهم بمؤسساتها ونظامها القائم على سيادة القانون، وتخلوا عن علمهم ونشيدهم، وعن كرسيهم الرئاسي وعملتهم الوطنية، وكل مقومات وجودهم السياسي والمؤسسي المستقل. لم يكن ذلك التنازل نابعاً من ضعف أو شتات، بل كان رهاناً استراتيجياً وشجاعاً على مستقبلٍ أفضل يُفترض أن يرتفع فيه علم “الجمهورية اليمنية” خفاقاً، لتترسخ معه دولة المؤسسات والعدالة المتساوية، ويزدهر فيه الاقتصاد، وتنهض البنية التحتية، وليعيش المواطن في رغد وعيش كريم.
ولكن، ماذا كانت النتيجة بعد كل هذه السنين؟
سياسياً، تحولت الشراكة المشتهاة إلى سياسة إقصاء وتهميش، وأُفرغت مؤسسات الدولة من مضمونها لتصبح أداة للتدوير الوظيفي وصناعة النفوذ. واقتصادياً، “ازداد الطين بلة” بانهيار متسارع في القيمة الشرائية للعملة الوطنية، وتضخمٍ غير مسبوق أكل دخول المواطنين وأجهز على الطبقة الوسطى. تدهورت الخدمات الأساسية من كهرباء وماء وصحة إلى مستويات حادّة، وغابت المشروعات التنموية والبدائل الاستثمارية، مما جعل المواطن يكتوي يوماً بعد يوم بنار الأزمات المعيشية والطحن الاقتصادي اليومي.
وفي أوج هذا العجز الشامل، تفاجئنا الجهات المختصة بتوجيهات وإجراءات تستهدف الرمزية الوطنية في أقدس مؤسساتها؛ إذ امتدت الأوامر لإنزال علم الجنوب ومنع ترديد السلام الوطني الجنوبي في الطابور المدرسي وفي المؤسسات التعليمية. إن محاربة الرمزية الوطنية داخل المدارس وأمام الأجيال الناشئة -والتي تجسد وجداناً وهوية تاريخية ارتبطت بعقود من النضال- في وقتٍ تعجز فيه الإدارة عن توفير المقومات الأساسية للعملية التعليمية أو حماية القوت اليومي لمعلميها ومواطنيها، يُعد قراءة خاطئة للواقع ومحاولة لتصدير الأزمة. فالمشكلة لم تكن يوماً في علم يُرفع في الساحات أو نشيد يُردد في المدارس، بل في الفشل المالي والإداري الذي أعاد البلاد عشرات الخطوات إلى الخلف.
إن استهداف الرموز الوطنية في البيئة التربوية والخدمية هو نقل للمعركة إلى المكان الخطأ؛ فالعدالة الاجتماعية، والاستقرار المالي، وإعادة بناء المؤسسات، هي المحك الفعلي لأي شرعية، وليس نزع الأعلام من طوابير الصباح أو مصادرة التعبير عن الهوية الوطنية.
لقد تنازل الجنوبيون بالأمس عن دولتهم رغبةً في بناء مستقبل أفضل للجميع، ولكن عندما يتراجع هذا المستقبل وتتفاقم المعاناة، يغدو التمسك بالهوية والرمزية نتاجاً طبيعياً لواقعٍ أثبتت الأيام أنه يتراجع في كل شيء، سوى إصرار أبنائه على التمسك بحقهم الأصيل في الكرامة، والعدالة، والعيش الكريم.