كنا ننتظر، مع إشراقة هذا العام الدراسي الجديد، أن تسارع السلطات المحلية في عدن وبقية محافظات الجنوب إلى إصلاح ما أفسده الدهر في قطاع التعليم الذي يمثل عمود الخيمة وبوصلة المستقبل.

كنا نعتقد — ويا لسراب ما اعتقدنا — أن نرى مسؤولي السلطة المحلية يتقدمون إلى ساحات المدارس وهم يحملون الحقائب المدرسية للطلبة والمستلزمات للفقراء، يزفون الورود والابتسامات لأبنائنا، ويحملون للمدرس المعذب في معيشته البشرى الكبرى بمضاعفة الرواتب وتسديدها منتظمًا كل شهر، مع التكفل بالحوافز والمكافآت التي تعيد للقيثارة التربوية اعتبارها وكرامتها.

كنا ننتظر منهم قرارات شجاعة تحجم الجشع في رسوم المدارس الأهلية التي أثقلت كاهل الآباء وبلغت أرقاماً خيالية، وكنا نترقب أن يزفوا لأهالي عدن والجنوب عامة بشرى انتظام التيار الكهربائي لساعات أطول، حتى ينام الطالب بسلام ليستيقظ بذهن صافٍ، ويتمكن المعلم من تحضير دروسه وترتيب أدواته تحت ضوء ينير ظلمات الواقع.

لكن، وبكل أسف وهراء لا يقبله عقل ولا منطق، صُدم الجميع بأن الأولوية والاهتمام لم يكن لمعاناة المعلم ولا لحقيبة الطالب ولا لظلمة البيوت، بل صُبّ التركيز على توجيهات بإنزال أعلام الجنوب ومنع الطلاب من ترديد السلام الوطني الجنوبي! وكأن المشكلة الوحيدة التي تنغص حياة الناس وتعيق مسيرة التعليم في هذا البلد هي العلم الجنوبي المرفوع أو الصوت الوطني الأصيل للطلاب في الصباح!

هل انتهت كل الأزمات المأساوية؟
هل صلُحت الكهرباء، وانخفضت الأسعار، واستقرت المناهج، ولم يتبقَّ أمام المسؤولين إلا منع النشيد ورفع العلم؟

إن بناء الأوطان والأجيال لا يكون بتجاهل الأزمات المعيشية والتركيز على قضايا شكليّة تؤجج الشارع ولا تُسمن ولا تُغني من جوع. إن طالب اليوم بحاجة إلى بيئة تعليمية محترمة، ومعلم شبعان ومرفوع الرأس، وحقيبة مدرسية توفرها الدولة أو تخفف عبئها، وكهرباء تسنده في حر الصيف..
أما محاربة الرمزية الوطنية في قلوب الطلاب فلن تجلب إلا مزيداً من السخط وخيبة الأمل.

اتقوا الله في هذا الشعب، وفي هذه الأجيال، فالمستقبل لا يُبنى بالقرارات الجائرة، بل بالعدل والإحسان وتلبية أبسط مقومات الحياة.