شبوة برس – خاص

يطرح المحلل السياسي والكاتب الصحفي هاني مسهور في مقال تحليلي بصحيفة العرب الدولية قراءة معمقة لتقاطع مشروعين سياسيين وإقليميين، هما ما يسميه بـ”يمننة الجنوب” و”أيرنة هرمز”، معتبراً أن أخطر ما يواجه المنطقة لا يتمثل في الصراعات العسكرية المباشرة بقدر ما يتمثل في إعادة صياغة الجغرافيا وإعادة تعريف الهويات والحقوق التاريخية للشعوب.

يرى مسهور أن جوهر الأزمة في المنطقة يقوم على فكرة السيطرة الممتدة عبر مشاريع أيديولوجية تتجاوز الحدود التقليدية للدول، حيث تتحول الجغرافيا إلى ساحة لإعادة الإنتاج السياسي والرمزي، بما يسمح بفرض نفوذ مركز على أطراف متعددة. ويشير إلى أن هذه المشاريع، رغم اختلاف مصادرها وأدواتها، تتقاطع في هدف واحد يتمثل في إعادة تشكيل الإقليم وفق رؤى توسعية تتجاهل التعدد التاريخي والثقافي والسياسي للمجتمعات المحلية.

في هذا السياق، يستحضر المقال مسار “يمننة الجنوب” بوصفه مشروعاً سياسياً نشأ في سياق تاريخي معقد، تداخلت فيه الأيديولوجيا القومية مع التحولات التي أعقبت الاستعمار البريطاني لجنوب الجزيرة العربية. ويشير إلى أن قيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية عام 1967 مثّل نقطة تحول في إعادة تعريف الهوية السياسية للجغرافيا الجنوبية، قبل أن تتعزز هذه المسارات لاحقاً مع الوحدة اليمنية عام 1990، التي تحولت – بحسب القراءة التحليلية – إلى صيغة اندماج غير متكافئ أفضت إلى إعادة إنتاج مركزية سياسية من صنعاء.

ويتابع المقال بالإشارة إلى أن حرب عام 1994 شكلت محطة فاصلة في ترسيخ هذا المسار، حيث تم تثبيت معادلات سياسية جديدة أعادت تشكيل السلطة والهوية في الجنوب ضمن إطار الدولة الموحدة، بما فتح الباب أمام صراعات طويلة حول الهوية والتمثيل والسيادة. ويعتبر أن هذا المسار لم يكن مجرد تطور سياسي داخلي، بل كان انعكاساً لصراع أوسع حول طبيعة الدولة في المنطقة، وحدود الاعتراف بالهويات المحلية داخل الكيانات الوطنية الكبرى.

في المقابل، ينتقل مسهور إلى قراءة مشروع “أيرنة هرمز” بوصفه امتداداً لنموذج آخر من نماذج التوسع الإقليمي، لكنه ينطلق هذه المرة من خارج النسيج العربي، مستنداً إلى أدوات مختلفة تقوم على النفوذ العسكري والميليشياوي والسيطرة غير المباشرة على الممرات البحرية الحيوية. ويشير إلى أن مضيق هرمز، بوصفه أحد أهم الشرايين الاستراتيجية في العالم، أصبح محوراً لصراع النفوذ والرسائل السياسية بين القوى الإقليمية والدولية.

ويؤكد الكاتب أن ما يجمع بين المشروعين ليس فقط فكرة التوسع، بل أيضاً السعي إلى إعادة تعريف الأماكن والوظائف الجغرافية، بحيث تتحول المناطق إلى امتدادات لمراكز قوة سياسية أو عقائدية. فكما أن “يمننة الجنوب” أعادت صياغة الهوية السياسية لجغرافيا الجنوب ضمن مشروع دولة مركزية، فإن “أيرنة هرمز” – بحسب التحليل – تسعى إلى إعادة تعريف وظيفة المضيق والخليج ضمن منظومة نفوذ إقليمي أوسع.

ويبرز المقال أن الخطورة الحقيقية في كلا المشروعين تكمن في استخدام التاريخ والهوية كأدوات سياسية، حيث يتم توظيف الروايات التاريخية والأيديولوجية لإضفاء شرعية على مشاريع التوسع، بينما يتم تجاهل الحقوق التاريخية والسياسية للمجتمعات المحلية. ويرى أن هذا النمط من الصراعات يعيد إنتاج فكرة “الوصاية السياسية” على الشعوب، سواء كانت هذه الوصاية داخلية أو خارجية.

كما يشير مسهور إلى أن مقاومة هذه المشاريع لم تكن غائبة عن المشهد، سواء في الحالة الجنوبية التي شهدت حركات سياسية واجتماعية تطالب بإعادة الاعتبار للهوية الجنوبية وحق تقرير المصير، أو في محيط الخليج حيث تتصاعد المخاوف من محاولات الهيمنة على الممرات البحرية وفرض وقائع سياسية جديدة بالقوة أو عبر النفوذ غير المباشر.

ويخلص المقال إلى أن الصراع في المنطقة لم يعد صراع حدود بالمعنى التقليدي، بل تحول إلى صراع على تعريف الجغرافيا نفسها، وعلى من يملك حق تسمية المكان وتحديد هويته ووظيفته. ويؤكد أن من ينجح في إعادة تعريف الجغرافيا يمتلك القدرة على إعادة تشكيل السياسة والتاريخ معاً.

ويشدد على أن مستقبل المنطقة مرهون بقدرة الدول والشعوب على مقاومة مشاريع إعادة الإنتاج الجغرافي، والتمسك بمبدأ السيادة الوطنية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، بعيداً عن مشاريع الوصاية أو التوسع الأيديولوجي أو السياسي.

ويختتم المقال بالإشارة إلى أن المعركة الحقيقية في الشرق الأوسط ليست فقط على الأرض أو في البحر، بل على الوعي نفسه، وعلى من يمتلك القدرة على صياغة الرواية التي ستحدد شكل المنطقة في العقود المقبلة، مؤكداً أن أي استقرار مستقبلي لا يمكن أن يتحقق دون احترام الهويات المحلية، والحدود المعترف بها، والقانون الدولي في إدارة الصراعات والممرات الاستراتيجية.