تُمثل الفتوى الدينية في المجتمعات الإسلامية أداة حشد بالغة الأثر أثناء الصراعات؛ إذ تمنح القرار السياسي قدسية مطلقة، وتحول المعارك الدنيوية من تنافس على السلطة إلى “واجب شرعي”. هذا التوظيف يمنح السلطة قدرة هائلة على التعبئة العامة، مستغلاً العاطفة الجياشة لعامة الناس وتوجيهها لخدمة أهداف معينة.
وتكشف مسارات الفتاوى في النزاع اليمني منذ عام 2015 كيف تتبع الفتوى بوصلة المصالح؛ فبعدما كانت تدعو صراحة لـ”وجوب محاربة الروافض”، أعيد إصدارها بلغة أخف مستبدلة اللفظ بـ”محاربة الفكر الحوثي الإمامي”. هذا التحول لم يكن مراجعة فقهية، بل خضوعاً لمتغيرات المشهد السياسي، والرغبة في صياغة خطاب جمهوري يجمع المناهضين دون استعداء مذهبي، وتفادي الضغوط الحقوقية الدولية ضد خطاب الكراهية.
هذا التقلب ليس حديثاً، بل يمتد كشاهد تاريخي متكرر؛ فحينما غيّر الخليفة المتوكل سياسته العباسية، انقلبت الفتاوى الرسمية فوراً لتُجرّم فكرة “خلق القرآن” بعدما كان الفقهاء يُعاقبون برفضها في عهد المأمون. وبالمثل تأرجحت فتاوى علماء الشام ومصر بين تحريم الصلح مع الصليبيين وإباحته بناءً على قوة الحاكم أو ضعفه وحاجته للمهادنة، مما يُثبت أن لغة الفقه كانت تتهذب وتتغير دوماً تبعاً لتبدل موازين القوى ورغبات السلاطين.
إن هذه الشواهد تبرهن على المآلات الكارثية لخلط الدين بالسياسة. فحين يرى المسلم العادي أن الأحكام العقائدية والسياسية تتغير وتتبدل وفقاً للمناخ الدبلوماسي، يُصاب بـصدمة فكرية واهتزاز عنيف في الثقة بالمؤسسات الدينية والعلماء. يتحول الدين في وعيه من مرجعية أخلاقية ثابتة إلى مجرد أداة بروباغندا وتبرير تسخرها السلطة لحروبها وتحالفاتها المؤقتة.
هذا الضرر يفوق خطر الأعداء الخارجيين؛ فهو يفتح الباب على مصراعيه لـالعزوف الديني والتشكيك في الثوابت، حيث يتولد لدى الجيل الجديد قناعة بأن الفتاوى تُفصّل مقاساتها في أروقة السياسة لا من مشكاة الوحي. وفي المقابل فإن شحن الأفراد عاطفياً بلغة إقصائية حادة ثم التراجع عنها فجأة، يدفع المجموعات المشحونة نحو التطرف العنيف، لاعتقادهم أن المؤسسات الرسمية داهنت وتنازلت عن الدين.
ختاماً .. إن حماية العقيدة ونقاء الدين يتطلبان فصلاً حازماً بين قدسية النص الديني وبراغماتية العمل السياسي، فالتاريخ يثبت أن إقحام الفتوى في دهاليز السلطة ينتهي دائماً بتبخر المصالح السياسية وتشويه الحقائق الدينية الثابتة.
