تتجلّى حقائق الرجال في المفاصل التاريخية والحظات الحاسمة، حيث تتساقط الأقنعة وتتمايز الصفوف. وفي ملف الحرب اليمنية الممتد، تتكشف اليوم مفارقات عجيبة تستدعي الوقوف والتأمل؛ مفارقات تفصل بين من اتخذ من قضية الوطن وسيلة لـ “الإعاشة” والترزّق، وبين من يقدم روحه وفاءً للأرض والعرض.
على مدى سنوات طويلة، ظل شريط طويل من “موظفي الإعاشة” يتنقلون برغد بين العواصم: من القاهرة إلى إسطنبول وصولاً إلى الدوحة، يعيشون في رغد العيش، ويقتاتون على مأساة هذا الشعب الصابر. وكنا نعتقد -أو هكذا افترضت السذاجة الوطنية- أنه حين ينادي المنادي لمواجهة المشروع الحوثي وللجهاد ضد هذه المليشيا، سنرى هؤلاء يتزاحمون في الخطوط الأمامية، ويتنافسون على اعتلاء الجبهات دفاعاً عن القضية التي ملأوا بها الدنيا صراخاً وأوراقاً.
لكن الميدان كشف الحقيقة؛ ففي الوقت الذي يتزاحم فيه الجنوبيون ويتدافعون نحو المعسكرات وجبهات القتال لتسجيل أسمائهم في طليعة المواجهة، ونرى النازحين يتزاحمون على مكاتب “اللقافة” والإغاثة لتسجيل أسمائهم للحصول على المساعدات، نرى أولئك “الموظفين المترفين” يتزاحمون في طوابير أخرى تماماً.. طوابير استديوهات القنوات الفضائية لتقديم “التحاليل العسكرية” و”القراءات الاستراتيجية”!
إنها مفارقة مؤلمة ومجافية لكل منطق؛ كيف لمن يقضي سنواته في تنقلات الفنادق والتنعم بـ “الإعاشات” أن ينصّب نفسه مكافحاً أو مصلحاً على شاشات التلفاز، بينما يُترك الثقل الأكبر والدماء الزكية لأبناء الميدان والمرابطين في الشدائد؟
لقد أثبتت الأيام أن المعركة لا تُدار بالكلمات المنمقة عبر الشاشات المكيفة، ولا بالتحليلات التي تصدر من عواصم الشتات، بل تصنعها الأقدام التي تطأ الثرى، والأيدي التي تقبض على السلاح في خطوط النار. وشتان بين من يتزاحم في الخنادق بذلاً وفداءً، ومن يتزاحم أمام الكاميرات بحثاً عن ظهور جديد أو مخصص إضافي.
إن تاريخ الشعوب لا يرحم، والميدان هو الحكم؛ وسيبقى الفرق شاسعاً بين من يبذل دمه من أجل أمن واستقرار أرضه، وبين من جعل من آلام الناس ومأساة الوطن مجرد وظيفة بمرتب وسفريات متواصلة.
