تتكشف الحقائق في زمن الأزمات والحروب، فتظهر المعادن الحقيقية للرجال، وتنكشف معها الأقنعة التي طالما ارتدتها بعض القوى السياسية والرموز المتنفذة. ومن ينظر اليوم بتمعن إلى المشهد السياسي والعسكري، لا يمكنه أن يغفل عن معضلة “موظفي الإعاشة” ومئات – بل آلاف – الشلل السياسية والحزبية المقيمة في العواصم الخارجية، ممن يتقاضون رواتبهم بالدولار الأمريكي، فيما الشعبُ هنا يعاني ويلات الأزمات الاقتصادية والخدمية.
تتنوع خلفيات هذه المجاميع المتنعمة بالدولار بين منتمين لأحزاب سياسية ومكونات متعددة، من “إصلاحيين” و”مؤتمريين” وغيرهم ممن اعتادوا خوض الحروب وتوجيه البوصلات وفق مصالحهم الضيقة. والذاكرة والتاريخ لا ينسيان؛ ففي حرب عام 1994م جُيشت القوى وسُخرت الفتاوى والجيوش، وفي عام 2015م كررت القوى عينها السلوك ذاته، وصولاً إلى أحداث عام 2019م فيما عُرف حينها بـ “غزوة خيبر” ومحاولات الاستحواذ العسكري.
والغريب والأكثر ألماً في مشهدنا الراهن، أنه عندما تشتعل الجبهات، وعندما تفرض التحديات الأجنبية والتهديدات الأمنية نفسها على أرض الواقع، نجد هؤلاء القابعين في الفنادق الشاهقة بالخارج يعيشون حالة من الصمت والغياب؛ كأن على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقراً!
وهنا يطرح الشارع السؤال الأكثر إلحاحاً: ألم يجد هؤلاء القوم منطقة في مأرب، أو في تعز، أو في أي محافظة من محافظات الشمال ليخوضوا فيها المعارك القائمة حالياً ويحرروا أرضهم؟ أم أن الوطن لا يهمهم بقدر ما تهمهم مخصصات “الإعاشة” والامتيازات؟
وعندما يدعى للجهاد الحقيقي والدفاع عن الأرض، لا يستجيبون أبداً، وكأن هذا الوطن لا يعنيهم بغير ما يُضخ في حساباتهم؛ بل وتعدى الأمر حد السلبية ليصل إلى التآمر على القوات الجنوبية لمحاولة توريطها وإقحامها في حروب وحسابات معقدة لا ناقة لها فيها ولا جمل.
إن استمرار هذا الوضع الصارخ—حيث يمتص المتنفعون بالخارج الميزانيات والرواتب بالعملات الصعبة تحت مسمى “الإعاشة”، بينما يخوض المرابطون مواجهاتهم بصدور عارية وتضحيات جثيمة—يمثل خللاً أخلاقياً وسياسياً لم يعد ممكناً السكوت عنه.
لقد حان الوقت لمكاشفة حقيقية، وإعادة ترتيب الأوراق لحماية التضحيات، وقطع الطريق على من جعلوا من قضايا الشعوب ودماء الشهداء مجرد مصادر دخل واستثمار دائم في الشتات.
