إذا كان الجزء الأول قد فكك خفايا الخديعة التكنولوجية والاستراتيجية الصامتة لتفكيك نفوذ طارق صالح في الرياض، فإن الجزء الثاني يستشرف المآلات الجيوسياسية لهذا الانهيار وتأثيره المباشر على جغرافيا الجنوب العسكرية، وتحديداً في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات النفطية.
إن انتقال مركز الثقل العسكري للحوثيين إلى الساحل الغربي وباب المندب وضع القوات الجنوبية (المجلس الانتقالي والعمالقة) في مواجهة أصعب اختبار ميداني منذ عام 2015؛ حيث باتت خطوط الدفاع في لحج والضالع وأبين تحت طائلة الاستهداف المباشر وسط تراجع كامل للتغطية اللوجستية للمكونات الشمالية المنسحبة.
تشير المعطيات الحالية لعام 2026 إلى أن التعامل السعودي مع “بقايا” المقاومة الوطنية وقوات طارق عفاش لن يتخذ طابع التصفية العسكرية الشاملة، بل سيتم عبر مسار “الإحلال الهيكلي”.
تسعى الرياض جاهدة لمنع ذوبان هذه القوات في حضن الحوثيين أو تشرذمها في لحج، لذا فإن الخطة تقتضي استيعاب العناصر الراغبة في القتال تحت مظلة “الألوية التهامية” الناشئة أو نقل كتل بشرية منها نحو مناطق نفوذ تقليدية أخرى مثل تعز أو مأرب لتخفيف الاحتقان وتجريد هذه القوات من أي طموح للسيطرة المستقلة على منافذ البحر الأحمر.
أما بالنسبة للعاصمة المؤقتة عدن، فإن السقوط المدوي للمخا فتح الباب على مصراعيه لإعادة صياغة شروط اللعبة السياسية.
ويرى المحللون أن المجلس الانتقالي الجنوبي يجد نفسه اليوم في موقف شديد الحرج والتعقيد، فالقوات الجنوبية التي جُرّدت من الكثير من عناصر قوتها وتعرضت للاستهداف والتهميش المستمر من قِبل الرياض، باتت وحيدة في مواجهة التهديد الحوثي المباشر على حدود لحج والضالع دون غطاء لوجستي أو حليف حقيقي في الميدان.
هذا الاستنزاف والعداء غير المعلن يضعان القوى الجنوبية أمام خيارات ضيقة للبقاء، وسط عجز كامل لمنظومة “الشرعية” وحكومة الشتات عن تقديم أي إسناد حقيقي .
في المحصلة يظل اليمن والمنطقة العربية أمام مشهد “العسكرة المستدامة”، حيث تحول مضيق باب المندب رسمياً من ممر تجاري دولي إلى ساحة اشتباك مفتوحة ومشرعنة دولياً لتواجد الأساطيل الأجنبية.
ومع استمرار غياب الإرادة الوطنية الموحدة، وبقاء القيادات في الشتات، فإن الجغرافيا اليمنية مرشحة لمزيد من التشظي، لتظل دماء المقاتلين في “التباب” وجبهات الحدود وقوداً لمعادلات دولية كبرى تجعل من السلام الإقليمي بعيد المنال في المدى المنظور.
