*- شبوة برس – خاص
في درس جديد من وحي المعركة، يقدم الصحفي صلاح بن لغبر قراءة ساخرة وقاسية (تابعها شبوة برس) لأداء الشرعية إعلامياً وعسكرياً، بعدما اتضح الفارق الهائل بين خصم أخفى أهدافه وتحرك بصمت، وبين منظومة إعلامية حولت الحرب إلى مهرجان من الهاشتاجات والوعيد والهياط.
أدار الحوثيون المعركة بعقل بارد: تكتم، وانضباط، وصمت محسوب. لم يعلنوا أنهم ذاهبون للسيطرة على باب المندب، ولم يثيروا مبكراً مخاوف العالم تجاه واحد من أخطر الممرات البحرية الدولية. أخفوا الهدف، وتحركوا بصمت، وانتظروا حتى حُسمت المعركة، ثم أعلنوا اليوم.
في المقابل، ملأت الشرعية وأدواتها الفضاء ضجيجاً عن انتصارات كاسحة وهزيمة وشيكة للحوثيين. هاشتاجات وتهديدات ووعيد وهياط، ومسؤولون ووزراء وصحفيون جرى حشدهم في حفلة دعائية ضخمة لأشهر، أوحت بأن الموقف تحت السيطرة وأن الحوثي يعيش ساعاته الأخيرة.
ويرصد شبوة برس في مضمون المقال مفارقة تستحق التوقف: بينما كان المطلوب إدارة إعلام حرب حقيقية، جرى الاعتماد على مفسبكين ونشطاء ومهرجين لا يفقهون شيئاً في الإعلام ولا السياسة ولا إدارة الحروب، فتحولت المعركة في جانب الشرعية إلى ما يشبه غرفة عمليات إلكترونية لا تنتج سوى الضجيج.
صُنع جيش من النشطاء لا يسأل ولا يناقش ولا يتحقق. تصل التغريدة والمنشور جاهزين عبر مجموعات الواتساب، فيندفع الجميع للنشر في اللحظة نفسها، بالكلمات نفسها والهاشتاج نفسه، حتى ظهر المشهد، وفق توصيف بن لغبر الساخر، كقطيع غنم إلكتروني.
الحوثي أخفى هدفه، وهم كشفوا تحركاتهم.
الحوثي صمت، وهم ملأوا الدنيا صراخاً فارغاً.
الحوثي قاتل على الأرض، وهم قاتلوا بالهاشتاجات.
والأكثر سخرية أن الحوثي لم يطمئن العالم على باب المندب، فتكفلت ماكينة الشرعية الإعلامية بطمأنته نيابة عنه، وكأن وظيفة الإعلام لم تعد إدارة المعركة، بل تقديم خدمة مجانية للخصم.
ثم انتهى الضجيج… وكانت الهزيمة.
ويرى بن لغبر أن إعلام الشرعية تحوّل عملياً إلى قوة إسناد نفسي ومعلوماتي لخصمها؛ إذ جرى تضليل الجمهور والمقاتلين بالهياط والهاشتاجات، مع شن حملات إعلامية واسعة انتهت إلى نفور الناس ممن يقفون خلفها.
ومن زاوية المتابعة السياسية والإعلامية، يرى محرر شبوة برس أن المشكلة لم تكن في كثرة المنابر، بل في غياب العقل الذي يعرف متى يتحدث ومتى يصمت، وماذا يكشف وماذا يخفي. ففي الحروب، ليست كثرة التغريدات دليلاً على القوة، كما أن ارتفاع مستوى الضجيج لا يعني أن المعركة تسير لصالح مطلقيه.
لقد طمأنوا الخارج، ثم منحوا الحوثي انتصاراً دعائياً فوق مكسبه الميداني.
ويختم صلاح بن لغبر درسه الثالث بصورة شديدة القسوة، معتبراً ما حدث واحدة من أسوأ عمليات القيادة الإعلامية والعسكرية لمعركة في التاريخ الحديث: استدعاء المهرجين وإدارة الحرب بعقلية المجموعات والهاشتاجات، بينما كان الخصم يديرها على الأرض.
وبعبارة أكثر اختصاراً: هم قاتلوا في فضاء التواصل الاجتماعي، بينما قاتل خصمهم في الميدان.
