اذكروا لنا إصلاحياً واحداً فقط وقف أمام علي محسن الأحمر بعد مغادرته صنعاء عام 2014، وسأله السؤال البسيط الذي يهرب منه الحزب منذ سنوات: لماذا تركت معسكراً كان يملك من السلاح والقوات ما يفوق، آنذاك، ما كان لدى الحوثيين؟
واحد فقط!
اذكروا لنا إصلاحياً واحداً وبّخ هاشم الأحمر عندما غادر صنعاء مع علي محسن وبقية قيادات الفرقة!
أو قائداً عسكرياً واحداً من أتباع علي محسن قرر أن يبقى في موقعه ويقاتل بدلاً من أن يتحول المشهد إلى سباق جماعي نحو بوابة الخروج!
لا أحد.
والأطرف من ذلك: حين غادر علي محسن مأرب بعد مقتل عبدالرب الشدادي، أين كانت حفلة المحاسبة الإصلاحية؟
لا أحد أيضاً!
رصد شبوة برس ما كتبه الناشط السياسي اليمني محمد القاضي، وفيه يضع الإصلاح أمام مرآة لا يحب هذا الحزب النظر إليها: لماذا يصبح الهروب من الميدان «حكمة عسكرية» عندما يكون الهارب من كبار القيادات، بينما يصبح أي نقد له جريمة سياسية تستوجب التخوين؟
هنا تكمن الكوميديا السوداء.
في قاموس الإصلاح، يبدو أن القاعدة هي: القائد لا يخطئ، وإن أخطأ فلا يُسأل، وإن هرب فله عذر، وإن انهار موقعه فهناك مؤامرة، وإن طالب أحد بمحاسبته فهو بالتأكيد عميل!
أما الوطن والدولة والجمهورية، فتأتي ـ على ما يبدو في هذا النقد ـ بعد انتهاء قائمة أصحاب الحصانة الحزبية!
ويرى القاضي أن المشكلة ليست في خطأ واحد، وإنما في عقلية سياسية جعلت الولاء للقيادة والتنظيم فوق النقد والمساءلة، حتى أصبح بعض رموز الحزب وكأنهم نسخ سياسية من «المعصومين»: لا يُراجعون، لا يُحاسبون، ولا يجوز حتى الاقتراب من سجل إخفاقاتهم.
والأكثر إثارة للسخرية أن الحزب الذي يرفع شعار الدولة والجمهورية، لم يتوقف ـ بحسب القاضي ـ عند أخطاء قياداته، بل تحول أحياناً إلى محامٍ شرس للدفاع عنها، مهما كانت النتائج.
فحين انهارت مواقع، يصبح الانهيار «ظروفاً قاهرة».
وحين يغادر القائد، يصبح الرحيل «إعادة تموضع».
وحين يسأل الناس: أين ذهبتم؟ يأتي الجواب الحزبي العبقري: لا تسألوا!
وكأن المطلوب من الشعب ليس معرفة من أخطأ، بل التصفيق لمن أخطأ!
تابع شبوة برس هذا السجال، ولاحظ أن القاضي يذهب أبعد من ذلك، حين يرى أن الإصلاح لم يكتفِ ـ بحسب طرحه ـ بالأخطاء السابقة، بل وقف في وجه محاولات تجاوز الماضي وتوحيد الصف واستعادة الدولة، وكأن المصالحة الوطنية تهديد أكبر من الحوثيين!
وهنا يصبح المشهد عبثياً إلى درجة يصعب معها معرفة من هو الخصم الحقيقي: هل المشكلة في الحوثي، أم في من يريد محاسبة القيادات التي ساهمت أخطاؤها في فتح الطريق أمامه؟
المفارقة أن من يطالبون الآخرين بالتضحية من أجل الوطن، لا يبدون الحماس نفسه عندما يتعلق الأمر بفتح ملفات قياداتهم.
ومن يرفعون شعار الجمهورية، لا يحبون كثيراً سماع السؤال عن مسؤولية القيادات الحزبية والعسكرية عن انهيارات الجمهورية.
ومن يتحدثون عن الدولة، يتصرفون أحياناً وكأن الحزب دولة، والقيادة دستور، والنقد انقلاب!
هذه ليست معارضة سياسية محترمة، ولا محاسبة حزبية ناضجة.
هذه ـ في أقسى توصيف للنص الذي نشره القاضي ـ عقلية سياسية تريد من الجميع أن يدفعوا ثمن الأخطاء، باستثناء أصحاب القرار أنفسهم.
وسيظل السؤال الذي يلاحق الإصلاح مهما حاول الهروب منه:
إذا كان علي محسن قد أخطأ، فلماذا لم تحاسبوه؟
وإذا كان لم يخطئ، فلماذا انهارت المواقع وغادرت القيادات؟
وإذا كان الرحيل قراراً عسكرياً عبقرياً، فلماذا يُطلب من الآخرين تفسير هزائمهم بينما يُمنح رجالكم حق الصمت؟
المشكلة ليست أن الإصلاح يخطئ؛ فكل حزب يخطئ.
المصيبة ـ كما يطرحها القاضي ـ أن الإصلاح يريد احتكار حق تفسير الخطأ أيضاً!
وعندما يصبح الحزب قاضياً على خصومه، ومحامياً عن قياداته، وشاهداً على نفسه، ومصدراً لشهادة البراءة في الوقت نفسه، فلا غرابة أن تتحول السياسة عنده إلى مسرحية طويلة، يكون فيها الجمهور مطالباً بالتصفيق، حتى أثناء سقوط الديكور فوق رؤوسه.
رصد شبوة برس
