يواجه المجتمع الدولي في اليمن معضلة جيوسياسية غير مسبوقة تتجاوز تصنيفات القانون الدولي التقليدية.
فبينما تحاول ما تسمى “الحكومة الشرعية” وحلفاؤها، الحفاظ على شرعيتها القانونية أممياً، يبرز التساؤل الملحّ: هل تحول الحوثيون إلى واقع سياسي واقتصادي يستحيل تجاوزه في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي؟
الواقعية السياسية تفرض نفسها بوضوح، إذ لم يعد التعامل الخارجي مع الجماعة يقتصر على الملفات الإنسانية، بل امتد لخطوط تواصل سياسية مباشرة بإشراف إقليمي ودولي.
هذا التحول ليس اعترافاً بـ”شرعية سياسية”، بل إقرار بـ”سلطة أمر واقع” تدير الكتلة السكانية الأكبر والمؤسسات في شمال اليمن وعاصمته صنعاء.
إلا أن التحول الأبرز يكمن في البُعد الجيوسياسي البحري، حيث يرى مراقبون أن السيطرة الحوثية الميدانية على مضيق باب المندب وجزيرة ميون تمنح الجماعة أوراق ضغط فائقة الحساسية.
ورغم أن هذا النفوذ الملاحي لن يقود العالم للاعتراف الرسمي بحكومتهم، فإنه يُجبر القوى الكبرى على الانخراط في “تفاوض اضطراري” لحماية سلاسل الإمداد العالمية وتدفقات الطاقة.
في المقابل تقف التحالفات الدولية والأمنية ﴿سواء تحالف “حارس الازدهار” بقيادة واشنطن أو التحالفات الإقليمية﴾ أمام انسداد تكتيكي واضح.
فالأدوات العسكرية التقليدية المصممة لردع الدول والجيوش النظامية تفقد جدواها في بيئة لامتناظرة.
وتبرز هنا الحقيقة البنيوية الصادمة: لقد خاض الحوثيون حرباً ممتدة لأكثر من عقد، استنزفوا فيها البنية التحتية بالكامل، ولم يعد لديهم ما يخسروه اقتصادياً.
هذه “المعادلة الصفرية” تحرم القوى الدولية من بنك أهداف استراتيجي قابل للضغط؛ إذ إن أي قصف جوي جديد لن يجد أمامه سوى ركام مدمر سابقاً، بينما تستمر المنصات الصاروخية والمسيرات الحوثية بالانطلاق من شبكات أنفاق جبلية بالغة التعقيد.
وفي المقابل يتحمل الاقتصاد العالمي وشركات التأمين البحري فاتورة التعطيل والتهديد المستمر للملاحة، وهو ما يرفع أسعار الطاقة ويكلف الغرب نزيفاً مالياً مستمراً.
خلاصة القول:
إن عسكرة المضيق والمواجهة المفتوحة خيار محفوف بالمخاطر ومنخفض العوائد للمجتمع الدولي.. وأمام جماعة محصنة ضد العقوبات الاقتصادية ولا تكترث بالكلفة البنيوية، يجد العالم نفسه مدفوعاً نحو مسار إجباري: التخلي عن حلم الحسم العسكري الكامل والقبول بصيغة تفاهمات سياسية واقتصادية واقعية تضمن أمن البحر الأحمر مقابل تقديم تنازلات لسلطة صنعاء.
