أكثر من شهر وهم يعدّون ويجهّزون للمعركة المصيرية، وكانوا فرحين، فلا تفصلهم عن تحرير صنعاء إلا ساعة الصفر.
كانت قيادتهم تتوعّد الحوثيين بشرّ هزيمة، وأبواقهم تخبرنا أن موعد نهايتهم قد اقترب، و«ما بش فحاط»، و«جمهورية من قرح يقرح».
في أسبوع، انهارت كل جبهاتهم قبل بداية معركتهم، وباتوا هباءً منثوراً من تعز إلى المخا وباب المندب.
لم يتبقَّ في الميدان سوى الجنوبيين، وأصبحنا وقد باتت المعركة على حدودنا، وطبول الحرب تكاد تقرع على مشارف عدن.
نكذب إن قلنا إن أوضاعنا جيدة، لكن المواجهة ربما باتت قدراً لا خياراً.
يحزننا أن نعيد الكرة، ونكاد نعيش السيناريو نفسه، فالليلة أشبه بالبارحة.
ظلوا يوهمون الناس، وبمجرد شعورهم بالخطر، بدأت أبواقهم «الخرطون» بمغادرة عدن.
سنرى كثيراً من المسؤولين يجرّون أذيالهم، ويسحبون أرصدتهم وكنوزهم، «ما خفّ وزنه وغلا ثمنه»، ويتسابقون إلى المنافذ، ويتزاحمون على سُلّم الطائرة، ويتركوننا لمصيرنا، كفيلٌ بنا ربنا.
وسيذهب الشجعان والمؤمنون وأبناء الفقراء، وسيستبسلون بأقدامهم الحافية وبطونهم الخاوية، بعد أن سرقوا رواتبهم وخبز أطفالهم.
ونضحّي بالآلاف من أشرف رجالنا وأبنائنا، وإن شاء الله سنكبّر بالنصر، ونسجد حمداً وشكراً لرب العالمين.
ستنتهي المعركة، وتترك في كل بيت شهيداً، وأماً ابيضّت عيناها حزناً، وأباً مقهوراً، وزوجة ثكلى، وطفلة يتيمة، وفي كل فراش جريحاً وجسداً مبتوراً.
سيسلّمون دماءنا وآلامنا وقهرنا ونصرنا ومفاتيح الجنوب إلى «شرعية رشاد» في غرف نومهم الفندقية.
سيعود الهاربون إلى السلطة، وسيقلّدون الخونة شرف القيادة، وكل زنواتهم سيدّعون أبوتهم للنصر.
سيخطب أحقرهم: «أيها الشعب العظيم»، ويحتفلون بتوزيع المكاسب والمناصب، سيرشّحون مزةً وزيرة، وتافهاً هارباً وزيراً.
ويختارون لأبنائهم أهم الوظائف، ويمنحون أحفادهم مقاعد في أرقى الجامعات.
سيرشّحون لصاً لخزينة الوطن، ويصرفون الإعاشة على سكارى ومخنثين والهاربين في كل العالم.
بينما ستسأل أمٌّ عن فلذة كبدها، وأبٌ عن عكازه، وأرملةٌ عن مصير زوجها، وستنتظر الطفلة اليتيمة أباً لن يعود.
سيعود المقاتلون الحقيقيون وأبناء الفقراء إلى الشوارع الخلفية، وسيتعايش المصابون مع إعاقاتهم، وسنجد أكثرهم عاطلين، ويتوسلون فرصة في ركن الحافة.
وستظل الدجاجة على رأس القيادة، ونرى على المنبر نفس الذبابة.
بينما ما زالت صنعاء تنتظر معركة لن تبدأ أبداً.
ياسر محمد الأعسم
عدن – 12 سبتمبر 2026
