أدار الحوثيون المعركة بعقل بارد: تكتم، وانضباط، وصمت محسوب. لم يعلنوا أنهم ذاهبون للسيطرة على باب المندب، ولم يثيروا مبكراً مخاوف العالم تجاه واحد من أخطر الممرات البحرية الدولية. أخفوا الهدف، وتحركوا بصمت، وانتظروا حتى حُسمت المعركة، ثم أعلنوا اليوم.

في المقابل، ملأت الشرعية وأدواتها الفضاء ضجيجاً عن انتصارات كاسحة وهزيمة وشيكة للحوثيين. هاشتاجات وتهديدات ووعيد وهياط، ومسؤولون ووزراء وصحفيون جرى حشدهم في حفلة دعائية ضخمة، لأشهر أوحت بأن الموقف تحت السيطرة وأن الحوثي يعيش ساعاته الأخيرة.

وبدل أن تُدار معركة بهذه الخطورة بواسطة كفاءات صحفية وإعلامية محترفة وخبراء في الإعلام الحربي والحرب النفسية، اعتمدوا على مفسبكين ونشطاء ومهرجين لا يفقهون شيئاً في الإعلام ولا السياسة ولا إدارة الحروب.

صنعوا جيشاً من النشطاء لا يسأل ولا يناقش ولا يتحقق. تصل التغريدة والمنشور جاهزين عبر مجموعات الواتساب، فيندفع الجميع للنشر في اللحظة نفسها، بالكلمات نفسها والهاشتاج نفسه، فظهروا كقطيع غنم إلكتروني.

الحوثي أخفى هدفه، وهم كشفوا تحركاتهم.
الحوثي صمت، وهم ملأوا الدنيا صراخاً فارغاً.
الحوثي قاتل على الأرض، وهم قاتلوا بالهاشتاجات.
الحوثي لم يطمئن العالم على باب المندب، فطمأنوه هم نيابةً عنه.

ثم انتهى الضجيج… وكانت الهزيمة.

لقد تحوّل إعلامهم عملياً إلى قوة إسناد نفسي ومعلوماتي لخصمهم. ضللوا الجمهور والمقاتلين بهياط غبي وهاشتاجات سخيفة، وجمعوا نشطاء وشنوا حملات كرهت الناس بهم وبمن يشغلهم.

طمأنوا الخارج، ثم منحوا الحوثي انتصاراً دعائياً فوق مكسبه الميداني.

لقد كانت واحدة من أغبى عمليات القيادة الإعلامية والعسكرية لمعركة في التاريخ الحديث. استدعوا المهرجين وأداروا الحرب بعقلية مجموعات وهاشتاجات، بينما كان خصمهم يديرها على الأرض.

صلاح بن لغبر