من صنمية الأشخاص إلى خلود الفكرة

تُعاني المجتمعات العربية منذ عقود من داء فكري وسياسي متأصل يتجاوز حدود الأنظمة الشمولية والحزب الواحد ليشمل البنية الثقافية والاجتماعية بمختلف تفرعاتها.

يتجسد هذا الداء في ظاهرة “تقديس الزعماء”، والارتباط المفرط بالرموز والملوك والرؤساء وحتى قادة الأحزاب والفصائل ،ورفعهم إلى مرتبة فوق بشرية تُنزههم عن الخطأ والنقد.

إن هذا النمط من التفكير يُمثل العائق الأكبر أمام نشوء الدولة الحديثة؛ حيث يُختزل الوطن والشعب والمقدرات في شخص الحاكم، وتتحول الواجبات الدستورية والخدمية التي يؤديها المسؤول تجاه مواطنيه إلى “مكرمات وهبات” يُشكر عليها بدلاً من كونها التزامات وظيفية وأمانة وطنية تقاضى عليها ثقة الشعب .

إن الخلاص من هذه التبعية الفكرية والتحرر من عقود “الخنوع الطوعي” يتطلب ثورة وعي حقيقية تبدأ من إعادة صياغة عقول النشء والأجيال القادمة، وينطلق هذا المسار التوعوي من عدة ركائز استراتيجية:

أولاً: إصلاح المنظومة التعليمية والتربوية عبر تصفية المناهج من لغة التمجيد والتبجيل للأشخاص، واستبدالها بمفاهيم “العقد الاجتماعي” والمواطنة مع التركيز على بناء التفكير الناقد لدى الطلاب ليصبحوا قادرين على المساءلة والتحليل بدلاً من الحفظ والتلقين.

ثانياً: إعادة صياغة الخطاب الإعلامي والثقافي، وذلك بالابتعاد التام عن تسييس المشاريع التنموية والخدمية أو ربطها بكاريزما الحاكم، واستخدام لغة قانونية ومؤسسية تؤكد أن هذه المنجزات هي نتاج استغلال مقدرات وثروات الشعب وليست مِنّة من أحد.

ثالثاً: التنشئة السياسية الواعية داخل الأسرة التي تُعد النواة الأولى لبناء شخصية الفرد؛ فالتربية القائمة على الحرية والحوار وفصل الولاء للوطن عن الولاء للشخص هي الكفيلة بنحت جيل يرفض الاستبداد وصناعة الأصنام السياسية مستقبلاً.

في نهاية المطاف.. إن اقتلاع هذا الداء وتطهير عقول الأجيال القادمة منه لن يتم عبر الشعارات العابرة، بل بالانتقال الفعلي من ثقافة “الرعية” التي تنتظر العطايا والمكرمات، إلى ثقافة “المواطنة” الشاملة التي تعي حقوقها وواجباتها.

 إن نجاح الأوطان واستقرارها المستدام لا يصنعه القائد الملهم، بل تصنعه دولة المؤسسات الراسخة والاتفاقيات والمبادئ الموثقة التي يمتثل لها الجميع تحت سيادة القانون؛ فالأشخاص زائلون والمبادئ وحدها هي الباقية.