لم يكن قصي جمال محمد محمد الحوشبي رقماً جديداً في قوائم الشهداء، بل كان ابناً من أبناء المسيمير، شاباً ترك خلفه أماً تنتظر عودته، وأباً كان يأمل أن يراه يدخل البيت من جديد، وأسرة لن تسمع صوته بعد اليوم.
استشهد قصي، أحد أبطال اللواء الأول مشاة، من أبناء منطقة مخران بمديرية المسيمير، إثر سقوط قذيفة هاون أطلقتها مليشيات الحوثي على موقعه في الساحلة بجبهة حجر في الضالع، مساء اليوم السبت.
*شبوة برس – خاص
هكذا تنتهي حكاية شاب جنوبي آخر… رصاصة أو قذيفة في جبهة، ثم خبر قصير عن شهيد، ثم جنازة، ثم أم مكسورة القلب، وبيت ينتظر خطوات لن تأتي، وصورة معلقة على جدار تختصر عمراً كاملاً.
قصي لم يمت في أرض مجهولة بالنسبة لأهله. مات في جبهة تقف فيها مليشيات الحوثي على مقربة من مناطق الجنوب، فيما لا تزال تهديداتها تحاصر الضالع وكرش ويافع وشبوة ومكيراس.
ولهذا فإن السؤال اليوم ليس سؤالاً عسكرياً فقط، بل سؤال أم فقدت ابنها، وأسرة فقدت معيلها، وجنوب فقد واحداً من أبنائه:
أبو زرعة المحرمي وحمدي شكري، إلى متى يبقى أبناء الجنوب هم الذين يُطلب منهم أن يذهبوا إلى أبعد الجبهات، بينما الخطر ما زال يقف عند أبواب مناطقهم؟
كيف يمكن أن نفهم أن يُدفع المقاتل الجنوبي إلى معارك تحرير تعز والدفاع عن ملايين اليمنيين فيها، بينما هناك أمهات جنوبيات في الضالع وكرش ويافع وشبوة ومكيراس يعشن على الخوف، وينتظرن أن يعود أبناؤهن سالمين من الجبهات القريبة من بيوتهن؟
لا أحد يستخف بمعاناة أهل تعز، ولا بأرواح المدنيين في أي مكان. لكن من حق أهل الجنوب أن يسألوا عن أبنائهم أيضاً.
من حق أم قصي أن تسأل: لماذا مات ابني؟
ومن حق والده أن يسأل: لمن كانت هذه التضحية؟
ومن حق كل أسرة جنوبية أن تسأل: لماذا يُرسل أبناؤنا بعيداً، بينما أرضهم نفسها ما زالت بحاجة إلى من يحميها؟
لقد أصبح الموت خبراً يتكرر، وأصبح اسم الشهيد يمر سريعاً في بيانات الجبهات، بينما خلف كل اسم أم لن تنام كما كانت، وطفل سيكبر وهو يسأل عن أبيه، وبيت سيبقى ناقصاً مهما مرت السنوات.
قصي الحوشبي ليس مجرد اسم في خبر استشهاد.
قصي ابن المسيمير الذي كان يفترض أن يعود إلى أهله، لا أن يعود إليهم محمولاً على الأكتاف.
رحم الله قصي جمال محمد محمد الحوشبي، ورحم كل شهيد فقد حياته في هذه الحرب، وحفظ أبناء الجنوب من أن تتحول أعمارهم إلى وقود دائم لحروب لا تنتهي.
ويبقى السؤال موجعاً، لا يريد أهالي الشهداء له جواباً عسكرياً بقدر ما يريدون جواباً إنسانياً:
متى يصبح دم الجنوبي أغلى من أن يُستهلك بعيداً عن أرضه، ومتى تكون حماية أهله وأرضه هي الأولوية الأولى؟
