(دروس ملهمة من انهاء قضية الثار بين “آل عتيق” و آل ابوبكر بن دحة” و” آل سالم لن دحة” آل علي بن أحمد)

لا يُقاس نضج المجتمعات ومدى تماسكها بقدرتها على إدارة الخصومات، بل بامتلاكها للشجاعة الأدبية والحكمة الفطرية لإنهاء النزاعات وتجفيف منابعها.

 إن طي صفحة صراع ثأري دام قرابة ثلاثة عشر عاماً، واشتركت في أتون تداعياته ثلاث قبائل عريقة من آل علي بن أحمد العوالق في محافظة شبوة، يُمثل منعطفاً تاريخياً ونموذجاً حياً ومدرسة ملهمة لكل الساعين في دروب إصلاح ذات البين في مجتمعنا القبلي .

لقد حمل هذا المنجز السلمي العظيم في طياته عِبراً ودروساً بليغة تستحق التأمل؛ ويأتي في طليعتها ذلك الموقف البطولي المشهود الذي سجله التاريخ بأحرف من نور لآل نمير “آل سالم بن دحة”؛ والذين ضربوا أروع أمثلة الإيثار والنبل بمبادرتهم الشجاعة والاستثنائية في السماح بدم ولدهم الذي قتل على يد آل أبي بكر بن دحة.

ولم يكن هذا العفو مشروطاً بمكاسب مادية، بل جادوا به شريطة إنهاء قضية الثأر بين آل أبي بكر وآل عتيق.

 إن هذا الموقف النبيل يعكس شهامة آل نمير الذين آثروا حقن الدماء والمصلحة العليا لقبائلهم على أي اعتبار آخر، فاستحقوا إجلال شبوة وتقديرها ل صنيعهم الذي أحيا أنفساً وأصلح بيوتاً كادت الفتنة تلتهمها.

ويتلخص الدرس الثاني في حل هذه القضية في أهمية مأسسة الحلول القبلية؛ إذ إن توقيع وثيقة التنازل وتوثيقها بالطرق الرسمية والشرعية يُعد الضمانة الأساسية لديمومة هذا السلام المستعاد، وقطع دابر الشائعات والتآويل لحماية الأجيال القادمة من مغبة الارتداد نحو مسارات الشقاق.

وتكمن العِبرة الأعمق في أن تقديم التنازلات من كافة الأطراف والقبائل المعنية ليس علامة ضعف، بل هو ذروة القوة والمروءة والشجاعة، وتأكيد بليغ على أن رابطة الدم والرحم والقبيلة الواحدة تسمو فوق كل النزاعات العابرة.

 لقد أثبت أصحاب الشأن اليوم أن العفو عند المقدرة هو من شيم الكبار، وأن التضحية في سبيل السلم الأهلي هي التجارة الرابحة مع الله ثم مع التاريخ.

إن المشهد المهيب الذي شهدته منطقة خبر لقموش اليوم، يرسل رسالة واضحة لكافة قبائل محافظة شبوة عموماً: إننا قادرون برِجالنا المخلصين، وبمواقف التسامح الكبرى كموقف آل نمير على دفن الفتن واجتثاث عادات الثأر الدخيلة؛ لتكون هذه الخطوة المباركة بمثابة شرارة أمل تضيء طريق المصلحين لبناء مجتمع آمن ومستقر.