لم تعد الامتحانات الوزارية لنيل الشهادة الثانوية العامة بشقيها العلمي والأدبي مناسبة لحصاد جهد سنوات من التحصيل العلمي، بل تحولت—مع الأسف الشديد—إلى محطة سنوية تتجلى فيها أبهى صور العبث واللامبالاة بمستقبل الأجيال.
إن ما تشهده معظم المراكز الامتحانية اليوم من ظواهر سيئة، تفاقمت حتى أصبحت تُمارس جهاراً نهاراً، يدعو إلى التساؤل بمرارة: هل نحن أمام سياسة ممنهجة لتجهيل هذا الجيل وإفراغه من محتواه العلمي، أم أننا أمام حالة من العجز واللامبالاة المؤسسية التي سمحت بتجاوز القوانين واللوائح؟
ولعل الأدهى والأمرّ في هذه الكارثة التعليمية هو ما أفرزته هذه الحالة من انعدام للدافعية لدى الطلاب؛ فقد أصبحت الفصول الدراسية في الصف الثالث الثانوي شبه خاوية، وزهد الطلاب في الحضور والانتظام بعد أن تملكهم اليقين المسبق بالنجاح. لقد أدرك هؤلاء الطلاب—في ظل غياب الرقابة والصرامة—أن النتيجة محسومة مسبقاً بفعل التساهل والغش، فلماذا يتجشمون عناء الحضور والمذاكرة؟ إن إحساس الطالب بأن نجاحه مضمون دون جهد هو أولى خطوات هدم منظومة القيم التربوية والعلمية.
وحين تدخل الكتب والملازم إلى قاعات الاختبارات وتنشط ظاهرة “الغش الجماعي” تحت أنظار اللجان والإدارات، فإن أول ما يُذبح في هذه العملية هو مبدأ تكافؤ الفرص. إن الغياب التام للجان دراسة وتقييم حقيقية تضع حداً لهذه الخروقات عبر حلول جذرية وتقنيات حديثة، يؤكد أن قيادة العملية التعليمية تتعامل مع الأمر كإسقاط واجب لا غير، دون أدنى إدراك لتداعيات ذلك على مستقبل البلاد ومؤسساتها.
ولم يتوقف الأمر عند حدود العبث داخل المراكز الامتحانية، بل امتد ليمس نزاهة النتائج وإعلان قوائم الأوائل بشكل يندى له الجبين. فبدلاً من أن تخضع هذه القوائم لمعايير الكفاءة والاستحقاق الرقمي الشفاف، باتت المحسوبية والمزاجية هي الحاكم في بعض الأحيان. وما تداوله الشارع التعليمي مؤخراً عن حرمان طالب متميز في محافظة لحج من حقه المستحق في دخول قائمة الأوائل، لمجرد أنه لم يرُق لـ”مزاج” بعض المسؤولين، إلا دليل صارخ على انحدار القيم المعيارية؛ والأشد حرقة وألماً أن هذا الطالب من ذوي الهمم (كفيف البصر)، كافح وتحدى إعاقته وظروفه ليصنع نجاحاً استثنائياً، فبدلاً من أن يُكرّم ويُرفع راسه أسوة بغيره، قوبل جُهده بالتهميش والاستبعاد.
إن التفريط في التعليم وتسليم قاعاته للعبث، وتغييب المعايير الصارمة في تحديد الأوائل وظلم المتميزين من ذوي الاحتياجات الخاصة، ليس مجرد خلل إداري؛ بل هو تدمير متصل للركيزة الأساسية التي يُبنى عليها أي مجتمع. إننا بحاجة عاجلة إلى وقفة جادة تُعيد للشهادة الثانوية هيبتها، وتضع أحجار الزاوية لإصلاح شامل يبدأ من ضبط انضباط الطلاب في الفصول، وتأمين مراكز الاختبارات، وينتهي باستقلالية ونزاهة لجان الكنترول، حتى لا يظل التعليم ومستقبل أبنائنا ضحية للمزاجية والعبث.
